نص الرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خاتم المرسلين سادتي أهل الموقع ورد في الصفحة التالية: من أقوال سيدي الشيخ أرسلان الدمشقي http://www.shazellia.com/Tasauef/Arsalan.html العبارات التالية: أهل الباطن مع اليقين وأهل الظاهر مع الإيمان، فمتى تحرك قلب صاحب اليقين نقص يقينه ومتى لم يخطر له خاطر كمل يقينه، ومتى تحرك قلب صاحب الإيمان بغير الأمر نقص إيمانه، ومتى تحرك بالأمر كمل إيمانه. · معصية أهل اليقين كفر، ومعصية أهل الإيمان نقص. فهل تكرمتم علينا بشرحها وإيضاحها جزاكم الله كل خير.

الجواب يجيب أولا الشيخ عبد الجليل ثم الشيخ صادق

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد الأمين صلى الله عليه في الأولين والآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين .
أما بعد فقد سأل أحد الزوار الكرام لهذا الموقع عن معنى  كلام سيدنا الشيخ أرسلان رحمه الله تعالى إذ يقول  :( أهل الباطن مع اليقين وأهل الظاهر مع الإيمان، فمتى تحرك قلب صاحب اليقين نقص يقينه ومتى لم  يخطر له خاطر كمل يقينه، ومتى تحرك قلب صاحب الإيمان بغير الأمر نقص إيمانه، ومتى تحرك بالأمر كمل إيمانه. معصية أهل اليقين كفر، ومعصية أهل الإيمان نقص) .


فالجواب على ذلك والله أعلم وبه المستعان يكون على الوجه الآتي : قوله ( أهل الباطن مع اليقين وأهل الظاهر مع الإيمان) معناه أن أهل الباطن ,وهم أهل الحقيقة الواصلون لمقام الشهود والعرفان ,تكون معرفتهم  بالحق تعالى معرفةً عن يقين جازم لاشك فيه ولاتصور, فهم يشهدون الحق بالحق تعالى ويعاينون المشهود بكل  ذراتهم فقد فنيت ذراتهم فيه فصار سمعهم وبصرهم وكل جوارحهم, ومن كان هذا حاله كان على يقين مما يراه  فهو لايرى بنفسه بل بربه ،رؤية لامجال فيها لشك أو خاطر سوء أو إنكار وكيف ينكر الشمس من يراها في رابعة النهار,فهؤلاء هم العارفون الواصلون أهل اليقين الذين لايحتاجون إلى دليل لمعرفة الحق كما يحتاجه أهل الإيمان فهؤلاء يستدلون بالله لاعلى الله ,فالله دليلهم والدليل يستدل به لاعليه.
وأما أهل الظاهر فهم أهل الشريعة الغراء ,والشريعة دالة على الحق لكن هذا الدليل دليل لايوصل إلى اليقين بل إلى الإيمان وهو التصديق والإيمان أدنى درجة من اليقين لأن اليقين لايكون إلا لأمر مشاهَد ومعايَن ,والإيمان لايكون إلا بأمر غيبي غير مشاهد ولذلك قال تعالى عن أهل الإيمان (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ) فإذا ما كان الحق غائبا عن شهودهم له معاينةً وقد صدَقوا به فهم لم يصلوا إلى اليقين
بل آمنوا بالغيب الذي غاب عنهم ولم يشهدوه سبحانه شهودا يحوِّل إيمانهم إلى يقين فهم إن شهدوا فقدشهدوا صنعه وآثاره وآياته ولم يشهدوا ذاته ففي كل شيءله آية تدل على أنه واحد,ومن شاهد الآثار صدق بوجود المؤثر ومن شاهد الصنعة صدق بوجود الصانع وهذا هو.الإيمان .
وأما قوله : (فمتى تحرك قلب صاحب اليقين نقص يقينه ومتى لم يخطر له خاطر كمل يقينه ) فمعناه أن صاحب اليقين الذي يعاين مشهوده لا يجوز له أن يصرفه عن مشهوده صارف لأنه متى ماتحرك قلبه إلى غير الحق المشهود فقد رجع عن الشهود والعيان إلى مقام الإيمان فنقص عند ذلك اليقين بقدر رجوعه عن شهوده ومتى رجع عن الشهود أصبح مع الخلق لا مع الخالق ومع نفسه لا مع ربه وتحرك القلب بغيره لابه فمال إلى السوى فسقطت عنه دعوى اليقين وتردى عن معارج الكمال إذ شهد ما سوى الله من الأغيار وتراكمت عليه الخواطر حتى غاب عن
مشهوده وإن لم تخطر له تلك الخواطر فإن قلبه في الشهود حاضر وبقي في درجة اليقين .
وأما قوله ( ومتى تحرك قلب صاحب الإيمان بغير الأمر نقص إيمانه ، ومتى تحرك بالأمر كمل إيمانه ) فمعناه أن صاحب الإيمان الواقف على حدود الشريعة إن تحرك قلبه بما توجهه إليه شريعة الحق في أوامرها التعبدية فإن ذلك مكمل لإيمانه ودلالة على حسن الإيمان منه فما جاءه عن الحق من أمر فتبعه كان اتباع الأمر والعمل به مكملا للإيمان لأن الإيمان مشروط باتباع الأمر واجتناب النهي ولأن اتباع أمر الشارع هو عبارة عن تصديقك وإيمانك بوجود من شرّع الأمر وأصدره وإن كان المشرع غائبا عن عيانك. وأما الذي يتحرك قلبه من أهل الظاهرمن دون أمرالحق سبحانه فهو من تحرك بنفسه وهواه ولا يمكن لمن تبع هواه أن ينال هداه فهذا هو المحجوب بعينه المغرور بغيه .
وأما قوله :(  معصية أهل اليقين كفر، ومعصية أهل الإيمان نقص ) فمعناه أن أهل اليقين المشاهدين للحق المعاينين له إذاعصوا الله تعالى فهذا إنكار منهم لوجوده إذ يستحيل على من شهده أن يعصيه في أمر ,فالعصيان بعد الشهود كمن يسب الملك في حضرة الملك وأمام عينه فهذا إما جاهل بوجود الملك أو متجاهل له أو متطاول عليه فصاحب اليقين في كل الأحوال إن عصى فهو كافر لأنه جهل مع العلم فغطى جهلُه علمَه ,وتجاهله للمشهود وتطاوله عليه هو تغطية لمشهوده وحجب له كمن يغطي عينه في النهار لينكر وجود الشمس ,والكفر ليس
في حقيقته إلا تغطية الحق بعد العلم به ولذلك كان أهل الكتاب كفارا في وصف القرآن لهم بقوله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ) لأنهم عرفوا الحق فتجاهلوه وغطوه فكانت تغطيتهم للحق ذريعة للعصيان منهم .
وأما أهل الظاهر أصحاب الإيمان بالغيب فهم لم يروا الحق عيانا بل استدلوا على وجوده بالأدلة فإن عصوا الله كان ذلك نقصا لإيمانهم فمن وصل إلى كمال الإيمان استحى أن يعصي من آمن به فكلما زادت المعاصي تناقص الإيمان وتراكمت الظلمة على القلب حتى تصبح راناً على القلب لا يقبل المحو وقد قال سيد السادات صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)
والله أعلم وعلى الله قصد السبيل والحمد لله رب العالمين
                                                                                                     الشيخ عبد الجليل مدراتي

يميز سيدي أرسلان الدمشقي بين أهل الباطن وأهل الظاهر

1.   فأهل الباطن هم أصحاب اليقين بما آمنوا به فهم من كمل الإيمان في قلوبهم حتى استوى عندهم الغيب والشهادة فاعتقادهم بالخبر كاليقين من أخبر به ولو كشف لهؤلاء الغطاء ما ازدادوا يقينا.

فالجنة وما قبلها من مواقف والحق جل جلاله وما اتصف به من صفات الفعل والذات إيمانهم بها إيمان يقين خالص لا يخالطه أدنى ريب وإنما تظهر ثمرة يقينهم في تصرفاتهم وأعمالهم فمن آمن بالجنة قوي شوقه إليها والعكس بالعكس فما قلة عمل من قل عمله إلا لقلة إيمانه به وما خوف عبد من رزقه إلا لقلة إيمانه بالرزاق.

واليقين ليس على درجة واحدة بل على مراتب ودرجات فأدناها علم اليقين وهو اليقين المستفاد من العلم بالشيء وأوسطها عين اليقين وهو يقين القوي قوة من رأى الشيء بعينه وأعلاها حق اليقين وهو منتهى الدرجات وأعلاها حتى صار المتيَقن به في وضوحه كوضوح الحق وانبلاجه.

وهناك من أضاف مرتبة أخرى وهي عين اليقين والعين هنا ليست كالعين هناك فالعين هناك هي العين المبصرة والعين هنا هي ذات الشيء كما يقال عين  الشيء ذاته أي لما قوي يقينه واشتد صار كله يقينا فوصل إلى عين اليقين أي ذاته.

وهؤلاء قلوبهم ثابتة راسخة لا تقبل التحرك والتحول إذ هي في منتهى الإيمان فلا يتصور تحركها للأعلى إذ هي في الذروة فتحركها حتما – إن تحركت – للأسفل فلذلك إذا تحرك قلب هؤلاء خسر شيئا من يقينه الذي في قلبه فيلزمه أن يعود للذكر حتى يعوض ما فاته فشأن هؤلاء صفاء القلب وانعدام الخواطر بل ويُعدون الخاطر ردة عن الحق كقول ابن الفارض :

        ولو خطرت لي في سواك إرادة                على خاطري سهوا قضيت بردتي

وعدم ورود الخاطر هو كمال اليقين وهو مقام الشهود والمعرفة التي استوى فيها الشيء مع ضده فلا يرى أصحابها متجليا في الكون سوى من فطره، وهو مقام الإحسان:

        إذا سكن الغدير على صفاء           وجب أن يحركه النسيم

        بدت فيه السماء بلا امتراء             كذاك الشمس تبدو والنجوم

        كذاك قلوب أرباب التجلي           يرى في صفوها الله العظيم

2.   أما أهل الظاهر فهم أهل الإيمان وهؤلاء ليسوا من أهل الشهود بل من أهل المراقبة وهم من قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فان لم تكن تراه فانه يراك) - صحيح البخاري ج:1 ص:27 - أي راقب دوما رؤيته لك.

فهؤلاء دخلوا إلى اليمان من باب العلم فقوي لديهم العلم حتى انقلب مسلمات يؤمن بها لا تقبل النقاش وطريق هؤلاء النظر والاستدلال فيؤمنون بالله للأدلة القائمة على وجوده وكلما أكثروا النظر وأكثروا من الاستقراء والاستدلال قوي إيمانهم فلا يخلو إيمانهم من نقص ولطالما عراهم وسواس الشبهة فاحتاجوا لرده وهؤلاء قلوبهم محط الخواطر فإذا تغلبوا عليه اقتربوا من أهل اليقين حتى تنعدم الخواطر كليا فإذا حصل ذلك صاروا من أهل اليقين.

قال الله تعالى واصفا هؤلاء : (  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) - الحجرات 15 -

وفي آية أخرى دعا الله هؤلاء إلى التحقق من إيمانهم فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ) -النساء 136 - فمع وصفهم إياهم بالإيمان لكن أمرهم به أمرا استزاده وقرب من اليقين لأنه منتهى الإيمان.

فتحرك قلوب هؤلاء ليس كحركة قلوب أصحاب اليقين قيمكن تصور حركته للأعلى وهو الذي يكون بالأمر ويمكن أن يكون للأدنى وهو المسمى بغير الأمر.

فإذا كان تحركه نحو إتمام الإيمان وحصول اليقين كان هذا التحرك كمالا للإيمان أو تكميلا له وإذا تحرك للأدنى فهو نقص له وتحركه للأعلى بكثرة الطاعات وقلة المحرمات وصفاء القلب ومحو الأغيار بنور الأذكار وتحركه للأدنى بالغفلة ومصاحبة الغافلين وكثرة المعاصي وقلة الأذكار.

وأخيرا، كل يحاسب على قدره وكما قيل ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ولك أن تقول أيضا ( معصية أهل اليقين كفر ومعصية أهل الإيمان نقص) فليسوا سواء، فمن وصل إلى اليقين لا يتصور منه حصول المعصية ولو حصلت فكبير منه ذلك على عكس من هو دونه، كما قيل:                 على قدر أهل العزم تأتي العزائم          وتأتي على قدر الكرام المكارم

على أن الكفر هنا ليس الكفر الذي هو نقيض الإيمان الذي يوجب النار وإنما هو الكفر بالمعنى الاصطلاحي أي معصية مضاعفة وردة عن الحق بعد معرفته فهو كردة ابن الفارض:

                    ولو خطرت لي في سواك إرادة                على خاطري سهوا قضيت بردتي

مع أن ورود الخاطر لا يوجب الردة التي يرتب عليها الكفر المؤدي إلى إقامة حد الردة ولكنه استعظام لورود ذلك منه حتى جعله بمنزلة الردة وعلى هذا ينزل قول سيدي أرسلان الدمشقي رحمه الله.

                                                                                        الشيخ صادق المرعشي

 عودة للصفحة الرئيسية                          الصعود لأعلى الصفحة


Hit Counter