نص الرسالة
السلام عليكم لقد
اثلجتم صدري بموقعكم يا سيدي الكريم انا احب الصوفية و كم احب الشيخ عبد القادر
عيسى و محمد الهاشمي مع اني لم ارهم سيدي الفاضل لقد قرأت
كتاب تربيتنا الروحية حيث اجاد مؤلفه واستطاع ان يوصل التصوف الى قطاع كبير لكن
قرات هذا الكتاب وقد اخذت فكرة خاطئة نوعا ما عن التصوف فيا ليتكم و يا ليتكم
تنبهون على الاخطاء التي حواها الكتاب لو ان الامور التي ذكرها قد ذكرها وهابي لهان
الامر لكن تعلمون انه مجاز من طرف شيوخ و ربما سيغتر بكلامه الجاهل من الامور التي
لم ينبه عليها مثلا قضية عدم خلط الاوراد التي على المريد الالتزام بها و كذلك على
سبيل المثال يقول عن الورد الذي ذكره في كتاب مذكراته انه قد اخذه من الشيخ الهاشمي
ثم يقول انه ورد ماثور فماذا يفهم الغافل يفهم ان ما عاداه من الاوراد غير ماثورة
اي انها مبتدعة سيدي يقول الجهلة ان الصوفية قد ابتدعوا الاوراد التي لم تكن على
عهد سيدنا فكيف نرد عليهم فيقولون ان الشيوخ يشرعون الاوراد للمريدين سيدي ما هي
فائدة الاوراد هل صحيح انها تنور القلب فما فائدة النور هو يقولون للكشف ما معنى
ذلك سيدي ما معنى ان للقلب الاقبال و الادبار و هي حكمة عطائية
سيدي ما
معنى البصيرة (هي عين القلب )فما معنى القلب اي ما هو هل هو مثلا الدماغ ام انه
الجذع المخي ما هو اي ماذا يسميه الاطباء في العصر الحاضر
يقولون للقلب مراة فما معنى ذلك
عند المواضبة على الذكر نستقبل انوار اين تتمركز هذه الانوار هل تتمركز بين ايدينا
(نورهم يسعى بين ايديهم)
سيدي ما معنى ايات المشكاة
جزاكم خيرا على خدمة الاسلام
الجواب
سيدي الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أسأل الله أن يسلك بنا أفضل الطرائق وأن يقينا من شر العلائق.
1- لقد ذكرت قصتك مع كتاب (تربيتنا الروحية) والذي أنصح به نفسي وإياك أمراً طالما كرره لنا أسيادنا وقرأنا في كتب القوم أن التصوف روح تنفسخ لا ما مسائل تنسخ وإن علمنا علم أذواق لا علم أوراق ما كان التصوف يوماً ما علماً يؤخذ من الكتب أو نهجاً يقرأ المريد تعاليمه من كتاب بل إن سلوك عملي يفضي إلى تمرات ذوقية تحت أشراف مرشد حي فما وصل واصل إلا بصحبة واصل حي ومن أخذ الأوراد عن الأوراق ابتلاه الله بفساد الأذواق، فعليك يا أخي أن تبحث عن شيخ يصلك الله به فتعلو متن همته لتصل إلى الله قال تعالى: ((اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم)) وما نعت الله الصراط المستقيم بأنه صراط الذين أنعم عليهم إشارة إلى عدم الإكتفاء بنفس الهداية بل لا بد من أن تكون مع الذين أنعم الله عليهم الذين كانوا بمنأى عن غضب الله وسخطه لسلامتهم من رعونات نفوسهم ومنأىً عن ضلال الشيطانهم وإذا عرفنا التصوف هكذا لا يهمنا بعد ذلك ما خالط كتب التصوف من أخطاء وما أكثرها غير أن سالك التصوف بمنهجه السليم يسلم من الخطأ إن شاء الله.
2- أما سؤالك أن الجهلة يقولون أن الصوفية قد ابتدعوا الأوراد لمريديهم التي لم تكن على عهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم غير واردة في الأوراد المأثورة التي صحت في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغالب أوراد القوم منها وربما تكون واردة في الأحزاب والأوراد التي لم تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب عن ذلك هو النظر في أصل البدعة وهل الأرتجال في الدعاء ممنوع وهل يجوز وصفه بالبدعة فإذا كانت البدعة ضلالة بنص الحديث فمن ذا الذي يتجرأ ويقول إن الدعاء بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلال ألم يرتجل الصحابي بنص الحديث بعد الركوع ويقول: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد) فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك.
إن جميع الأحزاب والأوراد التي قالها رجال عرفوا بالصلاح القسم الغالب منها مأثور وإن وجد فيها غير مأثور فلا بأس بوجوده أصلاً للدليل فإذا جاز لللإنسان شخصياً أن يرتجل في الدعاء جاز لغيره أن يرد ما ارتجل.
3- وأما سؤالك عن فائدة الأوراد … إلخ.
فإذا كانت الأوراد ذكراً لله تعالى فنقول:
لقد حفلت كتب الأذكار بفوائد نصت عليها الأحاديث النبوية الشريفة لكل ذكر من الأذكار وكتاب الأذكار للامام النووي معروف لدى الجميع.
وأما أن تحصر فائدة في تنوير القلب فهذه فائدة واحدة فقط لفوائد الذكر الكثيرة وتنوير القلب هو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد ألا وجلاؤها ذكر الله) وهو معنى قول الله عز وجل: ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب))
وأما القول بأن نور القلب للوصول إلى الكشف؟
الكشف ثمرة من ثمرات التصوف وهو نتيجة للذكر ولكن ليس غاية له إذ الغاية تطبيق أمر الله تعالى: ((اذكروا الله ذكراً كثيراً)) وساداتنا جعلوا الذاكر بغية الوصول إلى الكشف عبداً للكشف وليس عبداً لله إنما عبد الله من يذكر الله لله.
4- وما معنى اقبال القلب وإدباره
يجب أن نعرف أولاً أن القلب ما سمي قلباً إللا لكثرة تقلبه ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك).
فإذا كان هذا القلب منصرفاً بهمة إلى طاعة الله كان مقبلاً على الله وإذا كان غافلاً عن الله كان مدبراً عن الله وأعمال القلوب من قائم بذاته دون فيه العلماء تصانيف متعددة وخذ مثالاً كتاب الإمام الغزالي (إحياء علوم الدين) فقد ذكر في كل فصل مما يتصل بأعمال القلوب.
والقلب هو موضع الإيمان وأساسه ومحل نظر الرب ومقياس تفاضل الناس عند الله وإصلاحه واجب والغفلة عن إصلاحه سر تراجع المسلمين اليوم ((فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)).
5- وأما البصيرة فهو اسم القلب المنور حصراً وليس كل قلب يسمى بصيرة ولذلك يقال عن ذلك الرجل الصالح رجل ذو بصيرة نافذة الى قلب حي يرى منه مالايرى الناس بأعينهم.
6- وأما سؤالك عن القلب فحبذا لو جعلته أول الأسئلة لأن كل معنى الأجوبة السابقة مرتبطة جداً بالجواب على هذا السؤال:
القلب: هو أمر معنوي كالعقل تماماً تستقر فيه العواطف والإنفعالات وهو نفسه مقر الاتجاهات والميولات كما هو معروف عند علماء النفس فنحن نحب ونكره ونميل لأمر أو نعوض عنه فمن أين تصدر هذه المعاني إنها من القلب الذي هو قوة حقيقية في الإنسان وهي أحد عناصر تكوينه فالإنسان جسد وقلب وروح.
الذي يميز المؤمن عن الكافر ما استقر في القلب من الإيمان ((ولكن الله حبب إليكم اللإيمان وزينه في قلوبكم)) والذي يريد أن يعلم مالقلب فالأمر بسيط إنه هذا الإنشراح الذي تحس به لرؤية الجمال وهذا الضيق الذي تشعر به عند رؤية القبح.
ووجوده حقيقة واقعة لا مراء فيها وهو المسى اليوم في العلم الحديث (بالنفس) أو (علم النفس).
7- وأما معنى القول أن القلب مرآة.
فمرآة القلوب هي أثر صفائه وجلائه فإذا ما انجلى القلب وصار صاحبه ذا بصيرة (كما ذكرنا) صار لقلبه مرآة يبصر بها ولذلك قيل:
قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يرى للناظرين
وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمين
8- أما السؤال عن موضع الأنوار ومكان تمركزها
فالأنوار تستقر في هذا القلب الذي تحدثنا عنه سابقاً والآية المذكورة في السؤال ((نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم)) فهذا النور الحسي الذي يرونه ثمرة لنور قلوبهم المعنوي فلقد جسد لهم عياناً على قدر انوار قلوبهم.
9- ما معنى آيات المشكاة
((مثل نوره كمشكاة فيها مصباح)) في اللغة المشكاة هي الكوة في الحائط ونور الله سبحانه مثله كمثل مصباح في كوة ووجه التشبيه بينهما أن قوة نور الله سبحانه في اشعاعها وملئها الأكوان كمصباح في كوة والمعلوم أن المصباح إذ جعل في الكون ملأت ذرات نوره كل أرجاء الكوة وكذلك نور الله سبحانه فقد ملأ أرجاء الأكوان كلها.
ولقد كان للصوفية فهم خاص لهذه الآية وهو أن فيها دليلاً على ظهور الحق في كل شيء فنوره قد ملء الأكوان فأين المبصر وهو أمر ذوقي أكثر منه قولي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته