|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا محمد صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه ومن والاه.
الأخ العزيز: المسائل التي وردت في متن رسالتك هي اثنتان وليست ثلاث
وسنجيبك عنها إن شاء الله تعالى.
نص السؤال الأول
هل هذا الوارث هو من يشار إليه بالقطب او الغوث ؟
الجواب:
نعم هو بعينه
وهو الوارث المحمدي الكامل او القطب او الغوث، واعلم أن ورّاث النبي محمد
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه كثر، منهم من يرثه بمقام وحتى ما لانهاية
لكمالات النبوة وبالتالي لكمالات الوراثة. ولكن الشخص الذي يرث النبي حالا
ومقالا وعلما هو واحد فقط
·
وللعلم فان هذه
الوراثة النبوية لا تتأتى الا بسلوك الطريق الصوفي، لأن شيخ الطريقة هو
الوحيد القادر على ترقيتك وتزكيتك حتى تصل الى رسول الله وتحوز منه على
نصيبك من وراثته، هذا إن كان لك نصيب قدرّه الله تعالى.
·
ويجب أولاً أن نبين
لك ما معنى كلمة قطب:
فهو كما وصفه سيدي محي الدين بن عربي قدس الله سره { كل شيء يدور عليه أمر
ما من الأمور، فذلك الشيء قطب ذلك الأمر } وبالتالي طالما أننا نتحدث عن
معرفة الله تعالى في إطار سلوك طريق التصوف فالقطب هو:
الحائز على الرتبة العليا في مجال تربية المريدين وتسليكهم وتعريفهم على
الله تعالى.
·
وقد يتعدد الأقطاب،
فيدعى قطباً كل من دار عليه مقام ما من المقامات وانفرد به في زمانه عن
أبناء جنسه.
كأن نقول: فلان قطب في التوكل، وفلان قطب في الشكر، وفلان قطب في الرضا
فمثلا يقول سيدي الشاذلي قدس الله سره العظيم: سهل التستري قطب في
المقامات، وأبو يزيد البسطامي
قطب في الأحوال
فقد يسمى رجل البلد قطب ذلك البلد، وشيخ الجماعة قطب تلك الجماعة، فلابد{
والكلام لسيدي أبن عربي } في كل قرية من ولي لله تعالى، به يحفظ تلك القرية
سواء كانت تلك القرية كافرة او مؤمنة، فذلك الولي قطبها، وكذلك أصحاب
المقامات، فلابد للزهاد من قطب يكون المدار
عليه في الزهد في أهل زمانه، وكذلك في التوكل والمعرفة والمحبة وسائر
المقامات والأحوال.
·
قال سيدي المرسي رضي الله عنه في بعض مكاتباته،{ وإني صحبت رأساً من رؤوس
الصديقين وأخذت منه سراً لايكون الا لواحد بعد واحد " والشرح يطول" وبه
افتخر واليه أنسب رضي الله عنه وهو أبو الحسن الشاذلي }
·
قال سيدي عبد القادر الجزائري في مواقفه { أن في الوجود معشوقة غير مرموقة،
الأهوية إليها جانحة، والقلوب بحبها طافحة، والأبصار الى رؤيتها طامحة،
يطير الناس إليها كل مطار، ويرتكبون الأخطار، ويستعذبون دونها الموت
الأحمر، ويركبون لطلبها المكعب الأسمر،ولا يصل إليها الا الواحد بعد الواحد
في الزمان المتباعد }
·
لاحظ في المقطعين السابقين تكررت عبارة { الواحد بعد الواحد } وهذا في
الحقيقة دليل على انتقال الإرث من شيخ الطريق الى مريده ووارثه الوحيد، وهو
المعول عليه في سلوك الطريق. بمعنى أن مأذوني الطرق كثر كانوا أم قلة،
يرثون بركة شيخهم، وبعضا من علومه وسر الطريقة، أما وارث الشيخ الوحيد فهو
نسخة طبق الأصل عن شيخه في علمه وحاله ومقاله، وهذا ما أشار إليه سيدي
الشاذلي قدس الله سره عندما قال لتلميذه سيدي أبو العباس المرسي { يا أبا
العباس، ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا، وأنا أنت }
·
وقالوا أن غوث المريد هو شيخه والغوث الفرد هو شيخ الأولياء ورئيسهم
أما الجواب على السؤال الثاني
{هل يتعارض هذا مع كون أقطاب الطرق كثيرون مثل سيدي عبد القادر الجيلاني
وسيدي أبو الحسن الشاذلي وسيدي احمد الرفاعي وغيرهم رضي الله عنهم}
فالجواب انه لايتعارض أبدا
·
لأن سر طريقة من
الطرق إن لم يكن في ازدياد فهو في ثبات، لأن الله تعالى لايخلع سر إرشاد
الخلق إليه من الأرض أبداً، وإلا لبطلت الهداية وبالتالي فالسر ثابت، وهذه
هي القاعدة، ولكن قد نجد بعض المريدين الصادقين جدا، والذين أيدهم الله
تعالى بملكات ربّانية إضافية قد فاقوا أساتذتهم،والدليل على ذلك قول سيدي
احمد الرفاعي قدس الله سره عندما سئل عن شيخه سيدي
منصور البطائحي فأجاب " لقد كان
الشيخ منصور قدس الله سره محبا، أما أنا فمحب ومحبوب "
وبالتالي قد يزداد سر الطريقة فيرتقي المريد الى درجة لم يبلغها شيخه، وفي
ذلك يقول سيدي سهل التستري قدس الله سره " ربّ مريد سار روه بما لم يسار
روا شيخه"
·
ولأن الله تعالى قد
أعطى كل ولي من الأولياء رضي الله تعالى عنهم منزلة مخصوصة، ولكل منهم
تصريف في منطقة معينة، وبالتالي فيمكن في زمان واحد وجود أقطاب عدة لكل
منهم مسؤولية موكل بها، وأوحدهم وهو الغوث وهو سيدهم، لايمكن لهم أن
يجتازوا حكمه.
·
والمهم من هذا كله
أن مريدا من المريدين لايصبح قطبا الا إن سلك طريقة القطب نفسه.
فمثلا في كتاب الفتوحات الربانية في تفضيل الشاذلية " لسيدي يوسف الفاسي ما
نصه "
ومنها أن القطب لايكون إلا منهم " ومهما بلغ الولي من المراتب فإنه لايتقطب
الا بسلوك طريقة القطب فإن قدر الله تعالى له الوصول فعندها ينال ما ناله
القطب.
ومن المهم لنا أن نعرف أن سيدي الجيلاني وهو غوث أهل عصره بلا منازع بدليل
إذعان أولياء الأرض كافة له عندما قال " قدمي هذه على رقبة كل ولي لله "
فما بقي ولي في كافة أنحاء الأرض الا وانزل رأسه تواضعاً له، ومنهم من
سُلبَ ولايته لتكبره وعدم إذعانه، المهم أن سر سيدي الجيلاني الغوث انتقل
عبر سيدي أبي مدين قدس الله سره ومنه عبر أولياء المغرب قدس الله سرهم الى
أن وصل الى سيدي أبي الحسن الشاذلي، وسيدي الشاذلي لايختلف في غوثيته
اثنان، وجميع الناس محبي، ومعارضي التصوف، يعتبرون المدرسة الشاذلية وسيدها
أبو الحسن الشاذلي من أروع الأمثلة في التصوف الملتزم السني البعيد عن
الأهواء والضلالات والبدع
·
ومقام الغوثية او
القطبانية كغيره من المقامات ليس مقاما أبدياً، فقد يمكث ولي من الأولياء
سنوات في هذا المقام، ولكن بعضهم من لايحتمل عبء هذا المقام، فقد لايمكثون
سوى أشهر او أسابيع أو أيام وبعضهم ما مكث فيها سوى
فترة صلاة العصر وبعدها سلبت منه
وسلمت الى غيره، وبالتالي يمكن أن يكون وليان من أولياء الله تعالى أصبحا
قطبين لفترة محدودة، وبالتالي تتعد الأقطاب في زمان معين، وقد لا يظهرهم
الله تعالى غيرت عليهم فيكونون في الخفاء كما ورد في الحديث الشريف عن أبي
هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو
أقسم على الله لأبره) [صحيح مسلم ج:4 ص:2024]
·
وقد ذكرنا مسبقا أن
الأقطاب قد تتعدد لكن الواحد هو الغوث وهو الوارث المحمدي الحق وهو موضع
نظر الله تعالى للعالم، وهو درة الزمان ويتيمة الدهر
وكذلك هو مقام متبدل، يثبت الله تعالى فيه من يشاء بما يشاء
·
فوارث القطب يرث
مقام شيخه في المقام الذي هو قطب فيه، ووارث الغوث يرث غوثانية شيخه
لإحاطته بكل المقامات
·
وطالما أن الولي
يتمسك بطاعة الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مجدٌ، عاملٌ،
مجاهدٌ
فانه يصل الى القطبانية أن وصل إليها شيخه، وهكذا فإننا قد نجد أقطابا
شاذليين، ورفاعيين، ونقشبنديين، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم جميعا.
·
ولكن بعد ما ورث
سيدي الشاذلي الغوثية العظمى: " سأل الله تعالى أن لايخرجها من بيته فأعطاه
الله تعالى إياها " وفي ذلك نص صريح ورد في غير كتاب من كتب الشاذلية
بلسانه رضي الله تعالى عنه
·
ولايتقطب ولي من
الأولياء الابعد أن يقلّده الغوث ذلك المقام، وكل الخلع والعطايا تعطى من
الله تعالى ويقوم الغوث بتوزيعها على الأولياء حسب قضاء الله تعالى فيهم،
وحسب استعداداتهم
·
أرجو من الله تعالى
أن أكون قد أجبت عما ترمي إليه بأسئلتك وان يرضيّ الله تعالى عنا أولياءه
جميعا
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
سيدي يامن |