بسم الله الرحمن الرحيم
السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه اجمعين ، اخواني الكرام ، أريد معرفة ذلك الأمر : وهو أنتم معتنقين الطريقة الشاذلية ، أريد أن اعرف أكثر وأكثر وأن اطلع على هذا العلم التي هو بحوذتكم ، ولكن نحن مسلمون ولله الحمد وانا وانتم موحدين ، ونشهد بأن الله واحد وان الله قد ارسل رسولا ً للبشر وهو محمد عليه الصلاة والسلام وذلك لينقذهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد . فسؤالي : بما أنتم موحدين وتتبعون منهج الله ورسوله ، فلماذا لا تأخذوا طريقة الرسول الكريم والتي هي كما اوصى بها : الكتاب والسنة فقط لا غير ، فنرى الصحابة من بعده قد اتبعوها ومن بعدهم أيضا قد اتبعوها ولم يتبعوا طريقة الشاذلية ولا الصوفية مع العلم بأنهم هم أفضل البشر بالعبادة وطاعة الله عز وجل وبإتباع نبيه المرسل صلى الله عليه وسلم . إخواني الكرام أرجوا منك التوضيح وذلك عن طريق تزويدي بأدلة شرعية من الكتاب وهو القرآن والسنة من الاحاديث الشريفة المسندة بإسناد صحيح .... وأرجوا منك تفهم طلبي هذا حفظكم الله ورعاكم والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته
الجواب
يجيب عن السؤال الأخ صادق ومن ثم الأخ يامن حفظهم الله
لقد كثر في هذا الزمان صدور مثل هذا السؤال من العديد من الناس ومرد ذلك لا للجهل بحقيقة التصوف فحسب وإنما للجهل بحقيقة الإسلام نفسه. ولتوضيح هذا المعنى اضرب هذا المثال:
هب أن رجلاً من القرن العاشر كتب له أن يعيش في القرن العشرين فصادف رجلاً يساوم آخر في شراء سيارة ورأى كيف أن الرجل قد دفع ثمنها مبلغاً باهظاً فاقترب منه وسأله لماذا السيارة؟ وهل تستحق كل هذا المبلغ؟ وهو لا يعرف حقيقة السيارة ولا الفوائد التي تؤمنها لمالكها ولا الزمن الذي توفره في الانتقال والسفر ولا كل ما نعرف نحن اليوم من منافع السيارة فكان جهله بحقيقة السيارة ومنافعها دافعاً لهذا التساؤل وقديماً قيل الإنسان عدو لما جهل.
وكلامنا هذا ينسحب تماماً على من يسأل لماذا الطريقة؟ ولماذا التصوف؟ وقلت آنفاً إن هذا التساؤل لا ينبع من الجهل بالتصوف فقط بل من الجهل بحقيقة الدين نفسه.
نعم أليس من ضروريات هذا الدين الإيمان بالله إيماناً كاملاً بكل أسمائه وصفاته فمن منا اليوم في عمله يعمل بجسد قد طوى قلباً ملئه الاعتقاد بالله رازقاً لا بالعمل، قد يقال كلنا ولكن الحقيقة أن هذه الحقيقة تغيب عن قلوب المؤمنين طيلة ساعات العمل إلا في الساعة التي تذكرها فيها بأن مرد الرزق إلى الرزاق لا للعمل وأحياناً قد لا يتذكر وقل القول نفسه في كل أسماء الله وصفاته كالخافض الرافع والمعز والمذل، فهل إذا ذقنا خفضاً أو رفعاً نرد ذلك إلى الله أم إلى الأسباب التي ساق الله من خلالها علينا الخفض والرفع؟ والجواب عند كل واحد منكم ليعرف نفسه بعد ذلك أهو مؤمن بالله أم غير مؤمن. لو أنني نقمت على أجير لي في ضياع تجارة أو خسارة بيع فأنا أؤله الأسباب ولا أقر لله بتمام الإلوهية.
وما المخرج من هذا المرض أو قل الردة القلبية، إنه تعهد القلب دائماً وأبداً وتذكيره بهذا المعنى عن طريق الذكر لله بكرة وأصيلاً، وهل التصوف إلا هذا؟
وأقول أليس من ضروريات هذا الدين التواضع للملك الديان أمام عبيده الذين أمرنا أن لا نتكبر عليهم وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكِبر إحدى محرمات دخول الجنة. فقال وهو الناطق بالوحي: (لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر)، ولينظر إلى نص الحديث (مثقال ذرة) فما قولك بالمتكبر والمسلم اليوم الذي سلم من التكبر على إخوانه المؤمنين – وأقول الذي سلم – هل إذا وقف أمام الكافر يظهر العزة على إنسانيته أم على كفره، بمعنى آخر هل يسلم من التكبر عليه مع إظهار عزة الإسلام على الكفر، أم يظهر عزته هو كنفس على نفس من أمامه. هذا بالنسبة لمن سلم من التكبر على المسلمين، فما القول بمن تكبر على المسلمين أنفسهم؟
وما المخرج من هذا الذي يُحرم دخول الجنة أليس مراجعة القلب والانتباه من تسلسل فيروس الكِبر إلى القلب وذلك بطرده عن طرق الذِكر الدائم لعظمة الله تعالى صباحاً ومساءً وهل التصوف إلا هذا؟
ومن خلال هذا يتبين أن الإسلام هو التصوف وأن التصوف هو الجانب التهذيبي في الإسلام فظهر لنا أن لا خلاف من حيث الجوهر بين الإسلام والتصوف، أو انحسر الخلاف بيننا على تسمية التصوف.
نقول: إن الدعوة إلى إغفال التصوف كاسم إن لم يكن الهدف منها القضاء عليه كجوهر دعوة في الحقيقة إلى الفوضى والشعوبية في العلوم الإسلامية جملة، وللأسف ونحن في زمان اتجه فيه العالم كله إلى التخصص وترتيب العلوم وتنسيقها وتعميقها.
إن الدعوة إلى طرح اسم التصوف بحجة أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يجب أيضاً أن يرافقها دعوة أخرى إلى طرح اسم الفقه وأصول الفقه وعلم الرواية في الحديث وعلم الرواية وهو ما يسمى بمصطلح الحديث وعلم الفرائض وعلم التوحيد والعقيدة للحجة نفسها، ذلك أن هذه المسميات لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا السلف الصالح، بل دعوة إلى الفوضى في الفقه بعد أن أنعم الله تعالى على هذه الأمة بعلماء نظموا الأحكام ورتبوها وفق أبواب وفصول وصاغوها وضبطوها بعلوم اصطلحوا عليها أسماء وكن لهم في هذا الترتيب والتنسيق طرق متعددة ومذاهب مختلفة، فكان لنا في الفقه أربعة مذاهب وفي أصوله طريقتان طريقة الحنفية وطريقة المتكلمين وفي التوحيد طريقة المأثوريوية وطريقة الأشاعرة فهل من المنطق في شيء أن نقول على طريقة المتكلمين في الأصول ارجعوا إلى الكتاب والسنة وكذلك ليس من المنطق أن نقول على طريقة الشاذلية ارجعوا إلى الكتاب والسنة. فكما كان للفقهاء طرق في الوصول إلى حكم الله في العبادات والمعاملات كذلك لأصحاب التزكية وهو الصوفية طرق في الوصول إلى تزكية النفس وتعمير القلب بروح الإيمان.
وكما كان للفقهاء والأصوليين علوم دونها وكتب ألفوها واضطروا إلى ابتداع مصطلحات لتمييز المعاني عن بعضها – ولا يخفى على المتتبع ما وصل إليه الأصوليون من استحداث المصطلحات في هذا الميدان – كذلك كان للصوفية نفس الأمر بل كانوا أقل جمهرة من الأمة أحدثت مصطلحات وابتدعت مسميات مقارنة بغيرها من جمهرة العلماء الأخرى أعود فأقول: الحق أن الأمة الإسلامية بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم وحين أخت في تدوين الدين الإسلامي اضطرت إلى تقسيمه إلى علوم يختص كل علم بجانب من جوانبها وكان لكل علم منها طرق ومصطلحات وجدوا أنفسهم مضطرين لاستعمالها ومن جملة هذه العلوم علم التزكية والتربية وهو ما سمي بعد ذلك بعلم التصوف فهو من صلب الدين ومفرداته مستقاة من معين الكتاب والسنة لا أدل على ذلك من قوله تعالى: {هو الذي بعث من الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}. صدق الله العظيم.
وأخيراً ليست الطريقة الشاذلية وغيرها من الطرق الصوفية فرقة دينية أو طائفة مذهبية أو جمعية فكرية أو حزباً سياسياً بل هي النهج والأسلوب من الأوراد والأذكار الواردة في صحيح السنة وهي منضبطة بعقيدة أهل السنة والجماعة لا يخرجون عنها قيد شعرة ويتتبع المريدون السالكون أحد المذاهب الإسلامية الفقهية الأربعة ولا تعدو أن تكون مدرسة يُدَرَّسُ أبناؤها فيها الدين الإسلامي بعقيدته الصحيحة السالمة من كل الشوائب والانحراف ويدربون فيها على الاجتهاد من الطاعة وقراءة الأوراد والإكثار من الذكر بكرة وعشية.
وليعلم – قبل الختام – أن الطريقة الشاذلية في التصوف هي المنهج المنضبط بالكتاب والسنة يسعى للوصول نحو التزكية والخلق الحسن لا يمت إلى السياسة بصلة فليس هو ضرباً سياسياً ولا جمعية فكرية بل هو سلوك حسن ومبادئ أخلاقية وعقيدة أبنائها هي عقيدة أهل السنة والجماعة لا يخرجون عنها قيد شعرة.
صادق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الخلائق أجمعين وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، وعلى تابعيهم بإحسان على يوم الدين.
سيدي العزيز: اعلم أن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على مشروعية طريق التصوف موجودة في كتاب حقائق عن التصوف لسيدي عبد القادر عيسى رحمه الله ومنعاً للتكرار وتوسماً للخير فيك أسألك التالي:
من قال لك أننا نتبع الشاذلية، ونهجر تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما التصوف إلا الالتزام بالكتاب والسنة. ومن قال لك أن الطرق الصوفية حقاً هي طرق مبنية على تعاليم رجالٍ لا يعرفون الدين، مخترعين، مبتدعين؟ وكيف تحكم على أمرٍ لم تذقه أو لم تجرب وتصاحب من ذاقه؟ هذا لعمري عين الخطأ. وكيف، وبهذه البساطة تتهمنا بعدم الأخذ بطريق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها في الكتاب والسنة.
سيدي العزيز: اعلم أن التصوف عنوان التمسك بالكتاب والسنة، وتهذيب النفس، وتزكيتها، والسمو الخلقي، والارتفاع عن الملذات، وترك الدنيا، والاعتماد على الله، والالتجاء إليه، والصبر والرضا على قضاءه. هذا هو تصوفنا، فهل هذا شرعي أم لا؟
واعلم، سيدي الفاضل، أن وجود المنكرين على الطريق أمر طبيعي، منذ أن خلق الله تعالى الأرض. فكل فكرة لها مؤيد ومعارض. وليس الهم هنا القادح أو المادح، بل المهم هذا الأمر شرعي أم لا؟
تعال نسأل التاريخ، لنجده يجيب أن أكثر خدم الإسلام هم الصوفية وأن أكثر من أحب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واتبع سنته وانتهج نهجه وما حد عنه قيد شعرة هم الصوفية، وأن أولياء الله تعالى هم من الصوفية، وما جرت الكرامات والمنازلات والمكاشفات إلا للصوفية، وما فهم أحد عن الله غير الصوفية، أو من صاحبهم وتعلم منهم وهذا ما نُشهد الله تعالى عليه.
هذه هي الصوفية ورجالها {ولا يصدنّك عنها من لا يؤمن بها}، قال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا واتبع هواه وكان أمره فرطاً} في هذه الآية كفاية للمنصف.
وقال تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي ...}
واعلم يا سيدي أن علمنا ليس حكراً على أحد، بل بإمكان كل مسلم أن يتعرف على الله تعالى إن صدق في طلبه، ومع ذلك فبضاعتنا غالية لا يقتنيها إلا الصادقون المستقيمون الذين عرفوا حق الله تعالى وحق نبيه صلى الله عليه وسلم. ولم يحكموا أهواءهم وأنفسهم في دينهم فرضوا منه ما يوافق أهواءهم وتركوا وردّوا وتنكروا وتغاضوا عن أمور لا تستسهلها نفوسهم، كلا هذا وصف المنافقين. لقد تيقنوا أن ما يحويه الإسلام وتعاليمه من صدق، وإخلاص، وتوكل، وورع، ومحاسبة للنفس، وردع للهوى، وإيثار الآخرة على الأولى، وصحبة المولى بالصبر والرضى، وصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم بالإتباع هو لب التصوف وروحه وسداه ولحمته. شاء من شاء ، وأبى من أبى. ومهما حاول المحاولون أن يشوهوا صورة التصوف فسيفشلون لأن الله تعالى سينصر دينه ولو كره الكافرون. فلا نجد الصوفية إلا ازدياداً، ولا نجد محبيهم إلا في تكاثر. وهل تجتمع أمة الحبيب عليه الصلاة والسلام على باطل؟ لقد التقى أحد الصحابة مرةً بالتابعين، فقال لهم: إنكم الآن تعملون أعمالاً كنا نعدها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر. من هذا المثال العظيم نكتشف أنه هناك دائماً يأخذون من الدين ما يروق لهم ويرمون الباقي عرض الحائط غير آبهين. وإذا كان ذلك في عهد قريب من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فما رأيك بعصرنا الآن؟
سيدي الكريم، من قال لك أن التصوف، ظاهراً أو باطناً، قولاً وفعلاً وحالاً، ليس من السنة أو من الكتاب، فاضرب بقوله عرض الحائط. واعلم أن أئمة الدين كانوا من الصوفية، وإن لم يكونوا منهم شاوروهم، وإن لم يشاوروهم تمنوا أن يكونوا منهم، وأيدوهم في أقوالهم. وإن كانت هناك فئة قادمة للصوفية، ومنكرة عليهم علمهم وفهمهم الذي وهبهم الله تعالى إياه، فاعلم أنه ما كان كبير في عصرٍ قط إلا كان له عدوٌ من السفلة، إذ الأشراف لم تزل تبتلى بالأطراف فكان لسيدنا آدم إبليس، ولسيدنا نوح حام وغيره، ولسيدنا داود جالوت وغيره، ولسيدنا سليمان صخر، ولسيدنا عيسى بختنصر ثم الدجال في حياته الثانية بعد نزوله. ولسيدنا إبراهيم النمرود ولسيدنا موسى فرعون، ولسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أبو جهل وغيره. وللصحابة أيضاً نصيب من ذلك. وهذا مستمر إلى قيام الساعة وراثة متثبتاً على الحق.
سيدي العزيز: اقرأ في كتب السلف والخلف تجدهم، المنصف منهم والفاهم لدين الله تعالى، يوقرون الصوفية، ويشيدون بمذهبهم، ويعظمونهم. حتى قال الإمام الغزالي حجة الإسلام رحمه الله تعالى: من لم يكن له نصيب من هذا العلم – أي علم الباطن وتصفية القلوب من الكدورات – أخاف عليه سوء الخاتمة.
وانظر إلى قول سيدنا الإمام مالك بن أنس صاحب المذهب المالكي: من تفقه ولم يتصوف فقد تزندق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق. ونستفيد من قوله هذا شيئان:
الأول: ضرورة التصوف: تعلم لتتعرف على الله تعالى ما يقربك منه وما يبعدك عنه، وكعمل، لأداء الفروض والنوافل على الوجه الأتم من إخلاصٍ وافتقارٍ إلى الله تعالى، وتحسين أخلاقك مع الله تعالى ومع عباده.
الثاني: أنه رضي الله تعالى عنه كان صوفياً. وإلا لم يكن ليأمر بأمر ولا يقوم به، وحاشاه رضي الله عنه.
ولم يكن ذلك حاله فقط بل كذلك سيدنا الشافعي، وسيدنا أحمد بن حنبل، وسيدنا أبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. كانوا صوفية جميعهم: فكراً، وعقيدة، وعملاً. ولا تفهم من ذلك أنهم كانوا منتسبين إلى طريقة معينة: بل الطريقة، هي أسلوب ومنهج شرعي يتم به تطبيق الدين الإسلامي كما أنزله الله تعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. والطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق ومهمة الشيخ المرشد في الطريقة هي حيث المريد على السير، وعدم الالتفات إلى ما سوى الله، يعرفك مساويك، ويزكي محاسنك، وهكذا حتى يدخلك في مقام الإحسان وهي أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك وهكذا: سيدي: نجد أن التصوف حاجة ضرورية للمسلمين للوصول إلى كمال دينهم وذلك بنيل مقام الإحسان الذي هو من صميم الدين.
وإليك سيدي أقوال بعض العلماء الذين شددوا على التزام طريق التصوف:
1- قال سيدنا أبو الحسن الشاذلي قدس الله سره: من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مُصِراً على الكبائر وهو لا يشعر.
2- قال أحمد بن عجيبة في تجريده على متن الأجرومية: قوله في التصوف أنه سبب كل خير وفوز وفتح ونور. وبه تكثر الحسنات ويرتقي بفضل إلى أعلى الدرجات لأن الاشتغال بطريق القوم سبب التصديق بهم، وهو سبب محبتهم، ومحبتهم تؤدي للشوق إلى مجالستهم، ومجالستم تؤدي إلى النظر في وجوههم وفي هذا من الفضل ما لا يخفى. أما التصديق بهم فقد تضمن ولاية الله لعبده لقول إمام الطريق أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه: التصديق بطريق الولاية ولاية. وأما محبتهم فقد تضمنت الحشر معهم لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب قوماً حُشِر معهم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( المرء مع من أحب)، وأما الشوق إلى مجالستهم فقد تضمن الاتصاف بسيرتهم لقوله صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله)، لأن الطباع تسرق الطباع. وأما النظر إلى وجوههم على وجه المحبة فقد تضمن خير أجر عبادة العابدين لقوله صلى الله عليه وسلم: ( نظرة في وجه أخٍ في الله على شوق خير من أجر من اعتكف في مسجدي هذا أربعين سنة).
3- نقل الإمام النووي في شرح المهذب عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قوله: استفدت من الصوفية في مجالستهم شيئين: قولهم الوقت كالسيف إن تقطعه قطعك، وقولهم إن لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر. وقد علَّق إمام القرن العاشر سيدي عبد الوهاب الشعراني قدس الله سره قائلاً: فانظر كيف نقل الإمام الشافعي رضي الله عنه ذلك عن الصوفية دون غيرهم تعرف مزيد من خصوصيتهم ولو أن غيرهم كان على قدم الجد والاجتهاد كالصوفية لنقل ذلك عن أشياخه في العلم الظاهر.
4- قال سيدنا الجنيد رضي الله عنه: التصديق بعلمنا هذا ولاية. وإذا فاتتك المنة في نفسك فلا تفتك أن تصدق بها غيرك فإن لم يصبها وابل فطل.
5- وانظر إلى كتاب الإمام الجوزي (صفوة الصفوة) تجده كتب كثيراً من سير أهل التصوف، وناهيك بذلك بكتاب حوى سير الصحابة والتابعين والمتصوفين، دالاً بذلك فعلاً على أنهم صفوة الله من بعد الصحابة والتابعين بإحسان.
وختاماً: التصوف لا يمثله سوى شيخ الصوفية الملتزم بالكتاب والسنة وكل من ادعى تصوفاً وهو غير ملتزم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله فلا تعبأ به. بل الصوفية هم {رجال صدقوا الله ما عاهدوا الله عليه* فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً}.
والتصوف تطبيق فعلي لكتاب الله وللسنة المحمدية ولتزكية النفس، وبالتالي هو منهج ديني بحت فالصوفية ليست جمعية أو حركة سياسية أو حزباً هدفها الانتشار أو الاتساع أو أي شيء له علاقة بالدنيا وإنما هو تصحيح للعلاقة بين العبد والرب.
وليس غرضي من هذه السطور إلا تبيان حقيقة للناس، ليعلم من جهل، وتقام الحجة على من علم.
والله الموفق، وهو الهادي إلى الصراط المستقيم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
يامن
عودة للصفحة الرئيسية الصعود لأعلى الصفحة