Jul:47 Saturday - 22 July 2017
أبواب الموقع
· الرئيسية
· سند الطريقة الشاذلية الدرقاوية
· الاجازة وأنواعها
· أوراد الطريقة الشاذلية
· نفحات مضرية
· سير وأعلام السادات
· رسائل في الحب والأدب
· مقالات فقهية
· مواضيع مختارة
· أسئلة وأجوبة
· المقالات
· مركز الملفات
· الأسئلة المكررة
· الاتصال بنا
· معرض الصور
· خريطة الموقع
· البحث
· سجل الزوار

أحدث المقالات
· في شهر رمضان ..........
· شعبان في سطور
· هل اختلاط الرجال مع ...
· الحضور في الذكر
· ما المقصود بالبيوت ؟...
أحدث الأسئلة
· هل اختلاط الرجال مع ...
· الحضور في الذكر
· ما المقصود بالبيوت ؟...
· محتويات العهد
· هل الشيخ اجازة كتابة...
· أسأل الله سبحانه أن...
· هل لنا أن نقف على قو...
· انا اريد ان اعرف ردك...
· هل المرشد معصوم عن ا...
· قراءة الورد
الحبُ تعريفه- مراتبه- لوازمه- مقاماته- دواعيه- أحكامه
بسم الله الرحمن الرحيم



تمهيد

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمين .

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

قال الله تعالى :{يحبهم و يحبونه}المائدة54 ، وقال تعالى : {والذين آمنوا أشد حباً لله}البقرة 165

فقد وجه رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه للمحبة لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع ، وجعل صلى الله عليه وسلم حب الله ورسوله من شرائط الإيمان .وفي الحقيقة يا أخوتي أن الإسلام أعمال وتكاليف وأحكام ، وروحه المحبة ، والأعمال بلا محبة أشباح لا حياة فيها .وقد رأى الصوفية رضي الله عنهم أن سر هذه الحياة يقوم على حرفين اثنين : الحاء و الباء ، قال الشاعر :

وأحسن حالة الإنسان صدق...............وأكمل وصفه حـاء وبـاء

ولهذا كثيراً ما سمعت شيخي وقدوتي سيدي محمد مضر مهملات حفظه الله يقول ناقلاً عنهم : "المحب طيّار والسالك سيّار " ولقد جرد الصوفية الحب عن المطامع والشهوات ، وأخلصوا الحب لله تعالى ، فليس في حبهم علة ، ولا لعشقهم دواء إلا رضا مولاهم .ولهذا ولغيره أقدم للقارىء الكريم مقتطفات مما قاله هؤلاء العلماء الأفذاذ في الحب مُتْبِعاً ذلك ببعض مراتب ولوازم ومقامات ودواعي وأحكام المحبة فأسأل المولى الكريم أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله في صحيفتي و صحيفة شيخي ووالدي وكل من يحبني وأحبه في الله إنه سميع مجيب .

أولاً- تعريف الحب:

فقد تكلم العلماء رحمهم الله عن المحبة كثيراً وكذلك في تعريفها فعن أصلها اللغوي

قيل: الحب اسم لصفاء الوجه؛ لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها: حبب الأسنان.

وقيل: الحباب: ما يعلوا الماء عند المطر الشديد؛ فعلى هذا المحبة: غليان القلب وثورانه عند العطش

والاهتياج إلى لقاء المحبوب. وقيل: إنه مشتق من حَباب الماء بفتح الحاء وهو: معظمه. فسمي بذلك: لأن المحبة غاية معظم ما في القلب من المهمات.وقيل: اشتقاق من اللزوم والثبات، يقال: أحب البعير. وهو: أن يبرك فلا يقوم فكأن المحب لا يبرح بقلبه عن ذكر محبوبه.

وقيل: هو مأخوذ من الحبِّ جمع حبَّة وحبة القلب: ما به قوامه؛ فسمي الحب حباً باسم محله. وقيل: الحب، والحبّ كالعمَر والعُمر. وقيل: هو مأخوذ من الحبة بكسر الحاء وهي بذور الصحراء: فسمي الحب حبا، لأنه لباب الحياة، كما أن الحب لباب النبات.

وقيل: هو من الحب الذي فيه الماء، لأنه يمسك ما فيه، فلا يسع فيه غير ما امتلأ به، كذلك إذا امتلأ القلب بالحب فلا مساغ فيه لغير محبوبه.

وعن معناها الإصطلاحي :

قال بعضهم: المحبة: الميل الدائم بالقلب الهائم. وقيل: المحبة: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. وقيل: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب. وقيل: محو المحبِ بصفاته، وإثباتُ المحبوب بذاته. وقيل: مواطأة القلب لمرادات الرب. وقيل: خوف ترك الحرمة مع إقامة الخدمة. ويقال: المحبة: تشويش في القلوب يقع من المحبوب. وقيل: الحب أوله ختل وآخره قتل. وقيل: المحبة: نار في القلب تحرق ما سوى مراد المحبوب. وقيل:المحبة : بذل المجهود والحبيب يفعل ما يشاء. وقيل: المحبة: سرور في القلب بمطالعة جمال المحبوب .وقيل: المحبة: سُكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه. وقيل: المحبة: نار في القلب تُحرق ما سوى المحبوب . وقيل: المحبة: أغصان تغرس في القلب فتثمر على قدر العقول .

وقيل: المحبة: معنى من المحبوب قاهر لقلب تعجز العقول عن ادراكه وتمتنع الألسنة عن العبارة عنه . وقيل: المحبة: ابتهاج يحصل للنفس عن تصور حضرة ذات مّا .ومما يلاحظ أن هذه التعاريف هي تعريف للوازم وثمرات المحبة أما حقيقة المحبة فلا تعرف باللفظ و إنما بالذوق ومن ذاق ضاقت العبارة عن الوفاء بحقيقة المقصود .

*و مما قاله الصوفية رضي الله عنهم في المحبة :

قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله: المحبة: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار قليل من حبيبك.

وقال سهل رحمه الله: الحبُّ: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة.

وسئل الجنيد رحمه الله عن المحبة، فقال: دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب.

وقال أبو علي الروذباري رحمه الله المحبة: الموافقة.

وقال أبو عبد الله القرشي رحمه الله: حقيقة المحبة أن تهب كتلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء.

وقال الشبلي رحمه الله: سميت المحبة محبة؛ لأنها تمحو من القلب ما سوى المحبوب.

وقال أيضاً رحمه الله: المحبة أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك.

وقال ابن عطاء رحمه الله: أغصان تغرس في القلب فتثمر على قدر العقول.

وقال أبو يعقوب السوسي: حقيقة المحبة: أن ينسى العبد حظه من الله وينسى حوائجه إليه.

وقال الحسين بن منصور: حقيقة المحبة: قيامك مع محبوبك بخلع أوصافك.

وقيل للنصراباذي رحمه الله: ليس لك من المحبة شيء؟ فقال: صدقوا؛ ولكن لي حسراتهم، فهو ذا احترق فيه.

وقال محمد بن الفضل رحمه الله: المحبة: سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب.

و قال الحارث المحاسبي رحمه الله: المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرَّا وجهراً، ثم علم بتقصيرك في حبِّه.

وقال السري رحمه الله: لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للآخر: يا أنا.

وقال الشبلي رحمه الله المحب إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك.

وقال الثوري رحمه الله: المحبة:هتك الأستار وكشف الأسرار.

وقال أبو يعقوب السوسي رحمه الله: لا تصح المحبة إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب بفناء علم المحبة.

وقال ابن مسروق رحمه الله: رأيت سحنونا يتكلم في المحبة فتكسرت قناديل المسجد كلها.

قال إبراهيم ابن فانك رحمه الله: سمعت سحنوناً رحمه الله، وهو جالس في المسجد يتكلم في المحبة إذ جاء طير صغير فقرب منه، ثم قرب.. فلم يزل يدنو حتى جلس على يده.. ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدم، ثم مات.

وقال الجنيد رحمه الله: كل محبة كانت لغرض إذا زال الغرض زالت تلك المحبة.

وقيل: أن الشبليّ رحمه الله كان في المارستان فدخل عليه جماعة: فقال: من أنتم؟ قالوا: إنا محبوك يا

أبا بكر، فأقبل يرميهم بالحجارة، ففروا، فقال: إن ادعيتم محبتي فاصبروا على بلائي. وأنشد الشبلي رحمه الله:

أيها السيد الكريم ... حبك بين الحشا مقيم

يارافع النوم عن جفوني ... أنت بما مر بي عليم

و قيل : كتب يحيى بن معاذ رحمه الله إلى أبي يزيد رحمه الله: سكرت من كثرة ما شربت من كأس محبته. فكتب إليه أبو يزيد رحمه الله: غيرك شرب بحور السموات والأرض وماروي بعد، ولسانه خارج ويقول: هل من مزيد. وأنشدوا:

عجبت لمن يقول ذكرت إلفي ... وهل أنسى فأذكر ما نسيت

أموت إذا ذكرتك ثم أحيا ... ولولا حسن ظني ما حييت

فأحيا بالمني وأموت شوقاً . . . فكم أحيا عليك وكم أموت

شربت الحبّ كأساً بعد كأس ... فما نفد الشراب وما رويت

وقيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني إذا اطلعت علي قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبي.

وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: من أعطى شيئاً من المحبة ولم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع.

وقال ابن عطاء رحمه الله: المحبة: إقامة العتاب على الدوام.

وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: مثقالُ خردلة من الحب أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة بلا حب.

وقال بعضهم: كنا عند ذي النون المصري رحمه الله: فتذاكرنا المحبة، فقال ذو النون: كفوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها. ثم أنشأ يقول:

الخوف أولى بالمسي ... ء إذا تأله والحزن

والحبُّ يجمل بالتقي ... وبالنقي من الدرَنَ

وقال أبو بكر الكتاني رحمه الله: جرت مسألة في المحبة، بمكة، أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد رحمه الله أصغرهم سناً، فقالوا له: هات ما عندك يا عراتي، فأطرق رأسه ودمعت عيناه، ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هويته، وصفا شربه من كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيب؛ فإن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله والله ومع الله فبكر الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا تاج العارفين.

وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود، إني حرَّمت على القلوب أن يدخلها حبي وحب غيري فيها.

وحكي عن أبي سعيد الخراز رحمه الله أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت: يا رسول الله أعذرني، فإن محبة الله شغلتني عن محبتك.. فقال: يا مبارك، من أحب الله تعالى فقد أحبني.

وقيل: قالت رابعة رحمها الله في مناجاتها: إلي، أتحرق بالنار قلباً يحبك؟ فهتف بها هاتف: ما كنا نفعل هكذا، فلا تظني بنا ظن السوء!!

وقيل: الحب، حرفان: حاء وباء، والإشارة فيه: أن من أحب فليخرج عن روحه وبدنه.

وكالإجماع من إطلاقات القوم: أن المحبة: هي الموافقة، وأشد الموافقات: الموافقة بالقلب، والمحبة توجب انتفاء المباينة؛ فإن المحب أبداً مع محبوبه، وبذلك ورد الخبر: عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إن الرجل ليحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: المرء مع من أحب.

ثانياً- مراتب المحبة :

أولها- العلاقة :و سميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب . قال الشاعر :

ولقد أردت الصبر عنك فعانقني...............علق بقلبي من هواك قديم

الثانية-الإرادة : وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له .

الثالثة-الصبابة :وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه .

الرابعة-الغرام :وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه .

الخامسة-الوداد :وهو صفو المحبة وخالصها ولبها .

السادسة-الشغف:أي وصل في حبه إلى شغاف القلب ، فهو كلف مولع بمحبوبه ، والقلب المقصود به هنا ليس هذا الشكل الصنوبري ولكن سر الإنسان ومحل اطلاع الرب.

السابعة-العشق : وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه ، وهو من لوازم المحبة إذ النفس تشتاق أبداً لمن تحب ، قال الشاعر :

مساكين المحبين الحيارى تراهم مطلقين وهم أسارى

وتحسبهم صحاة من مدام وهم من خمر عشقهم سكارى

إذا ذكر الحمى حنوا إليه بأرواح مولهة حيارى

لقد سكن الهوى لهم قلوبا وقربها فأعدمها القرارا

الثامنة-التتيم :وهو التعبد والتذلل .

التاسعة-التعبد :وهو فوق التتيم ، فإن العبد هو الذي قد ملك محبوبه رقه فلم يبق له شيء من نفسه ألبته ، بل كله عبد لمحبوبه ظاهراً وباطناً ، وهذا هو حقيقة العبودية .

العاشرة-الخلة :والتي انفرد بها الخليلان إبراهيم و محمد صلى الله عليهما وسلم ،و معناها تخلل شمائل

المحبوب روحانية المحب حتى تتكيف بها النفس و الروح وسائر الجملة الإنسانية فتتحرك أعضاء المحب عن إرادة المحبوب المتحرك بها القلب فتستحيل المخالفة فمطلوبهما واحد وفهمهما الذي يدركان به الحقائق واحد قال ابن الصباغ رحمه الله : "وأرباب هذه المقامات يتفاوتون فيها بحسب كمال الإدراك والذوق"

ثالثاً- من مقامات و منازل المحبين :

*فمن مقامات المحبين الرضى : وهو أن يفرح المحب بجميع ما يصدر من محبوبه حتى الهجر فيتساوى عنده الهجر والوصل إذا رضي محبوبه بهما ، قال الشاعر :

إذا ما كنت مسروراً بهجري فإني من سرورك مسرور

وقد سئل سري السقطي رحمه الله : هل يجد المحب طعم الألم ؟ قال :لا ، قيل :وإن ضرب بالسيف ؟

قال : وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة على ضربة .

*ومن مقامات المحبين المراقبة : ومعناها أن يشعر المحب بدوام شهود المحبوب له ، فهو دائم الفكر في

محبوبه معرض عما سواه ، فلا يخطر على قلبه غيره ولا ينطق لسانه إلا به ولا يبصر إلا إليه ولا يسمع

إلا حديثه ، ولا يكون فيه نصيب لغيره ظاهراً ولا باطناً ، قال الشاعر :

وشُغلت عن فهم الحديث سوى ما كان منك فأنتم شغلي

وأُديم نحو محدثي نَظَري أنْ قد سمعتُ و عندكم عقلي

*ومن مقامات المحبين الغيرة :وهي أيضاً من لوازم المحبة ، ويوصف بها كل من المحبوب والمحب .

أما غيرة المحب على نفسه فلئلا يكون فيها نصيب لغير محبوبه فيفنى عن نفسه عند مشاهدته ، وأما غيرته على حبيبه فائلا يتصف بمحبته من ليس من أهلها ، وربما توالى هذا المقام على المحب حتى يغار من نفسه على محبوبه ، كما حكي أن بعضهم قيل له : أتريد أن تراه ؟ قال :لا ! قيل : ولم ؟ قال أنزّه ذلك الجمال عن نظر مثلي .

ومن غيرة المحبوب أن يغار على قلبه لمحبه أن يلتفت لغيره وفاءً لودّه وحفظاً لعهده ، فلا يخص بأسراره

سواه ولا ينيل غيره ما ينيله من تقريبه واصطفائه ، قال الشاعر :

أعَيْنَي مهاة الرمل عنّي إليكما لليلَى علينا بالفَلاة رقيبُ

أغارُ على قلبي لها وتغار لي على قلبها إنّ الهوى لَعَجيبُ

ومما يجب الإشارة إليه :

أنه من شرط السالك أنه لا يزال يرقى على الدوام ولا يقف مع شيء ، فإنه مها شاهد من محبوبه صفة لا يقف معها ، فلا يزال يتطور في مراتب طور الكمال طوراً بعد طور .

وأن كل مقام من مقامات المحبة هو كمال بالنسبة لمن هو دونه ونقص بالنسبة لمن هو فوقه ، ولهذا قالوا : "حسنات الأبرار سيئات المقربين "

رابعاً- من لوازم المحبة :

1- الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب :

بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحداً ، فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه ، بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له ، وإن كان مريداً له فليس مريداً لمراده .

فالمحبون ثلاثة أقسام : منهم من يريد من المحبوب ، ومنهم من يريد المحبوب ، ومنهم من يريد مراد

المحبوب مع إرادته للمحبوب . وهذا أعلى أقسام المحبين .

2- قلة الصبر عن المحبوب :

فينصرف صبر المحب إلى طاعة محبوبه والصبر عن معصيته ، أما الصبر عنه فهو صبر الفارغ عن محبته المشغول بغيره ، قال الشاعر :

والصبر يحمد في المواطن كلها وعن الحبيب فـإنه لا يحـمد

3- الإقبال على حديثه وإلقاء سمعه كله إليه ، بحيث يفرغ لحديثه سمعه وقلبه ولهذا لك يكن شيء لأهل المحبة ألذ من سماع القرآن فعن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ علي ، فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل ، قال فقرأت سورة النساء فلما بلغت " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" قال حسبك فالتفت فإذا عيناه تذرفان .

4- محبة أحباب المحبوب وجيرانه وخدمه وما يتعلق به حتى حرفته وآنيته وطعامه ولباسه

قال الشاعر :

فيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب

5- غيرته لمحبوبه وعلى محبوبه فالغيرة له أن يكره ما يكره ، ويغار إذا عصي محبوبه وانتهك حقه وضيع أمره . فهذه غيرة المحب حقاً ، والدين كله تحت هذه الغيرة .

6- بذل المحب في رضا محبوبه مل يقدر عليه ، وللمحب في هذا ثلاثة أحوال : أحدها بذله ذلك تكلفاً ومشقة في أول الأمر ، فإذا قويت المحبة بذله رضاً وطوعا ً ، فإذا تمكنت في القلب غاية التمكن بذله سؤلاً وتضرعاً كأنه يأخذه من المحبوب ، حتى إنه ليبذل نفسه دون محبوبه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب بنفوسهم ، قال الشاعر :

ولي فؤاد إذا لج ّ الغرام به هام اشتياقا إلى لقيا معذبه

يفديك بالنفس صب لو يكون له أعز من نفسه شيء فداك به

خامساً- دواعي المحبة :

فمن دواعي المحبة : وصف المحبوب وجماله ،وشعور المحب به ،والمناسبة وهي العلاقة و الملائمة التي بين

المحب والمحبوب ،فمتى قويت الثلاثة وكملت ، قويت المحبة واستحكمت ،

فيحكى أن عزة دخلت على الحجاج فقال لها يا عزة والله ما أنتِ كما قال فيك كثير ، فقالت : أيها الأمير إنه لم يرني بالعين التي رأيتني بها .

وهذه المناسبة نوعان :

عارضة: بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمر من الأمور ، فإن ناسب قصدك قصده حصل التوافق بين روحك وروحه ، فإذا اختلف القصد زال التوافق .

أصلية:من أصل الخلقة فهو اتفاق أخلاق و تشاكل أرواح وشوق كل نفس إلى مشاكلها، فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع ، فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة ، فتنجذب كل منهما إلى الأخرى بالطبع .

وهذا الذي حمل البعض على أن المحبة لا تقف على الجمال والحسن وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة , كما قيل :

وما الحب من حسن و لا من ملاحة...............و لكنه شيء به الروح تـكلف

فحقيقة الأمر في الحب أن المحب يرى في صورة محبوبه ما فيه من طباع فهو عاشق ومحب لنفسه وطباعه قال بعضهم لمحبوبه :صادفتك فيك جوهر نفسي ومشاكلتها في كل أحوالها ،فانبعثت نفسي نحوك وانقادت إليك ، وإنما هويت نفسي .ولهذا كانت النفوس الشريفة الزكية العلوية تعشق صفات الكمال بالذات ، فأحب شيء إليها العلم والشجاعة والعفة والجود وغيرها من هذه الصفات لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها ، بخلاف النفوس اللئيمة الدنية فإنها بمعزل عن محبة هذه الصفات .

فهذا هو الحب في الحقيقة فإنه متضمن لغاية الموافقة ، بحيث اتخذ مراده ومراد محبوبه من نفسه ، قال الشاعر :

ولو قلتِ طَأْ في النار أعلم أنه...............رضاً لكِ أو مُدْن لنا من وصالكِ

لقدَّمت رِجلي نحوها فوطئتُها...............هدى منكِ لي أو ضِلّةً من ضلالك

وإن ساءني أن نلتني بمساءة...............فقد سرّني أني خَطَرتُ بِبَالِكِ

روى الإمام أبو يعلى رحمه الله تعالى في مسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت :كان بمكة امرأة مزاحة فنزلت على امرأة مثلها فبلغ ذلك عائشة فقالت :صدق حبي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" وقد ذكر لبقراط رجلٌ من أهل النقص يحبه فاغتمَّ لذلك وقال : ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه ، وقد أخذ المتنبي هذا المعنى فقلبه وقال :

وإذا أتتك مذمتي من ناقص..............فهي الشهادة لي بأني كامل

خامساً- أنواع المحبة وأحكامها :

تنقسم المحبّة إلى محبة خاصّة ومحبّة مشتركة والمحبّة الخاصّة تنقسم إلى محبّة شرعية ومحبة محرمة .

فالمحبة الشرعية أقسام :

1- محبة الله عز وجل وحكمها أنها فرض على كل مسلم وذلك لأن محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام فبكمالها يكمل الإيمان وبنقصها ينقص ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) البقرة 165 ، وقوله : ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) التوبة 24 . وغيرها

من الأدلة في القرآن والسنة .

2- محبة الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي أيضاً فرض على كل مسلم، وهي شرط الإيمان كما في

الحديث : " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . وحديث عبد الله بن هشام قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الآنَ يَا عُمَرُ .

3- محبة الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين وحكمها واجبة لأن محبة الله تعالى تستلزم محبة أهل طاعته

وهؤلاء هم الأنبياء والصالحون ، ولا يكتمل الإيمان أيضاً إلا بذلك ولو كثرت صلاة الشخص وصيامه ، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لقد رأيتنا في عهد رسول الله وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم .

والمحبة المحرمة :

منها ما هو شرك : وهو أن تحب شيئاً غير الله سبحانه كما تحبه تعالى وهذا شرك المحبة وأكثر أهل هذا العصر قد اتخذوا أنداداً في الحب والتعظيم .

ومنها ما هو محرّم دون الشرك : وذلك بأن يحب أهله أو ماله أو عشيرته وتجارته ومسكنه فيؤثرها أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال كالهجرة والجهاد ونحو ذلك ودليله قوله تعالى : {إن كان آباؤكم ... إلى قوله تعالى : أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } التوبة :24 فهذا الذي مضى هو المحبة الخاصة بأقسامها .

أما المحبة المشتركة فهي ثلاثة أنواع :

أحدها : طبيعية كمحبة الجائع للطعام ،والظمآن للماء وهذه لا تستلزم التعظيم فهي مباحة .

الثاني : محبة رحمة وشفقة كمحبة الوالد لولده الطفل وهذه أيضاً لا تستلزم التعظيم ولا إشكال فيها.

الثالث : محبة أنس وألف كمحبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضاً فهذه الأنواع التي تصلح للخلق بعضهم بعضاً وكمحبة الأخوة بعضهم لبعض ووجودها فيهم لا يكون شركاً في محبة الله تعالى .

فشروط الحب في الإسلام:

1- أن يكون خالياً من المخالفات الشرعية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له.

2- ألا يلهي هذا الحب عن ذكر الله وعن الحب الأكبر وهو لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

3- عليه كتمان حبه ولا يتعرض للمحبوبة بالذكر.

4- من الأفضل أن يكون المحب ممن يستطيع كبح جوارحه ونفسه، فيقول العلامة ابن القيم: إنما الكلام في العشق العفيف، من الرجل الظريف، الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ما بينه وبين الله عز وجل.

5- عدم استخدام طرق شركية للوصول إلى المحبوبة مثل السحر.



المراجع

ينظر مدارج السالكين : 3/9-10-11 ، الرسالة القشيرية 1/143-147، روضة المحبين ص 20-21، المفاخر
العلية ص 120، مشارق أنوار القلوب : ص 21
صحيح البخاري 5 / 2283[5818] صحيح مسلم 4 / 2034[2640]
مدارج السالكين : 3/27-28-29 ، روضة المحبين : ص 24 وما بعدها ، مشارق أنوار القلوب : ص 33 ،
حقائق عن التصوف ص 329-330
مشارق أنوار القلوب : لابن الدباغ رحمه الله ص 38
ينظر مشارق أنوار القلوب : لابن الدباغ رحمه الله ص 74 وما بعدها .
متفق عليه : البخاري (4/1673) ، مسلم (1/551)
روضة المحبين : ص 265 و ما بعدها
مسند أبي يعلى ج 7 ص 344 [4381]
روضة المحبين : ص66 و ما بعدها
صحيح البخاري1 / 14[15] صحيح مسلم1/ 67[44]
صحيح البخاري 6/ 2445[6257] مسند الإمام أحمد بن حنبل 4 / 233
الأدب المفرد 1/ 52[111]
المعجم الكبير ج 20 ص 211[486]
ينظر موقع الإسلام سؤال وجواب : للشيخ محمد صالح المنجد (www.islam-qa.com)



تعليقات
#1 | Zaiyah في Oct:57 Tuesday - 18 October 2016
This poisntg knocked my socks off
#2 | Milly في Oct:46 Saturday - 22 October 2016
That <a href="http://pjzoawe.com">ini'shtgs</a> just what I've been looking for. Thanks!
المشاركة بتعليق
الاسم:

شفرة (كود) التحقق:


إدخال شفرة التحقق:

1,870,879 الزيارات غير المكررة وقت التحميل: 0.88 ثانية