2- نفاق التجار : وهذا صنف آخر يظهر مالا يبطن يكذب على الناس ويخدعهم في بضاعته ويحلف الأيمان الكاذبة

وأسوأ التجار من يتظاهر بالدين ليخدع الناس بصلاته أو لحيته فيطمئنوا له فإذا ما سلموا له بدا على حقيقته واعتبر هذا ضربا من الدهاء والحنكة التجارية

3-نفاق أرباب المسؤولية : الوالد راع في منزله هو مسؤول عن رعيته والزوجة راعية في بيت زوجها و مسؤولة عن رعيتها وهكذا ومن بات غاشا لرعيته بات بسخط من الله فإذا وكلت إليك أمانه فأدها بإخلاص وإياك أن تتظاهر بالمسؤول الأمين وأنت تكن لرعيتك شتى أنواع الخديعة فالمدرس مؤتمن على طلابه ومدير العمل مؤتن على موظفيه وهكذا

 

النفاق في القرآن

لقد ورد النفاق في القرآن الكريم في عدة سور منه بدأ من سورة البقرة فآل عمران وانتهاء بالمنافقين وقد يرد ذكره صراحة واصفا أصحابه بأوصافهم وقد يرد من غير تصريح بهم وإذا صرح قد يصرح باسمهم وقد يكتفي بذكر إشارة عنهم وبين أيدينا الآن دراسة لآيات النفاق بدأ من سورة البقرة

سورة البقرة

الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12) وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14) الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20)

الناس في الحياة الدنيا على ثلاثة أحوال : إما مؤمن ، وإما كافر وإما منافق .

والله سبحانه وتعالى في بداية القران الكريم في سورة البقرة . يعطينا وصف البشر جميعا بالنسبة للمنهج وأنهم ثلاث فئات :

1-المؤمنون: عرفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في أربع آيات

2-والفئة الثانية هم الكفار ، وعرفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في آيتين

3- و الفئة الثالثة هم المنافقون و عرف صفاتهم في ثلاث عشرة آية متتابعة ، لماذا ؟ لخطورتهم على الدين ، فالذي يهدم الدين هو المنافق ، أما الكافر فنحن نعرفه ونحذره لأنه يعلن كفره !صلا. المنافق، يتظاهر أمامك بالإيمان ، ولكنه يبطن الشر والكفر ، وقد تظنه مؤمنا ، فتطلعه على أسرارك ، فيتخذها سلاحا لطعن الدين وقد خلق الله في الإنسان ملكات متعددة ، ولكي يعيش الإنسان في سلام مع نفسه ، لا بد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة. المؤمن ملكاته منسجمة ، لأنه اعتقد بقلبه في الإيمان ونطق لسانه به ، فلا تناقض بين ملكاته أبدا . والكافر قد يقال إنه يعيش في سلام مع نفسه ، فقد رفض الإيمان بقلبه ، ولسانه ينطق بذلك ، ولكن الذي فقد السلام مع ملكاته هو المنافق ، إنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع نفسه ، فهو يقول بلسانه ما لا يعتقد قلبه ، يظهر غير ما يبطن ، ويقول غير ما يعتقد ، يخاف أن يكشفه الناس ، فيعيش في خوف عميق ، وهو يعتقد أن ذلك مؤقت سينتهي . ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا ، ثم ينتقل معه إلى الآخرة ، فينقض عليه ، ليقوده إلى النار ، واقرأ قوله تبارك وتعالى : "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21)". كل ملكاتهم انقضت عليهم في الآخرة.

وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون (14) وهكذا يرينا الحق سبحانه أن كل منافق له أكثر من حياة ، والحياة لكي تستقيم ، يجب أن تكون حياة واحدة ولكن انظر إلى هؤلاء: مع المؤمنين يقولون : آمنا ، و يتخذون حياة الإيمان ظاهرا ، أي : أنهم يمثلون حياة الإيمان كما يقوم الممثل على المسرح بتمثيل دور شخصية غير شخصيته تماما حياتهم كلها تناقض ، فإذا بعدوا عن الذين امنوا ، يقول الحق تبارك وتعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم. وانظر إلى دقة الأداء القرآني ، فالشيطان هو الجزء الخفي . الحق ظاهر وواضح ، أما منهج الشيطان وتآمره فيحدث في الخفاء لأنه باطل . والنفس لا تخجل من حق أبدا ، ولكنها تخشى وتخاف وتحاول أن تخفى الباطل. ولنضرب لذلك مثلا بسيطا : رجل يجلس مع زوجته في منزله ، وطرق الباب طارق ، ماذا حدث ؟ يقوم الرجل بكل اطمئنان ، ويفتح الباب ليرى من الطارق ، فإن وجده صديقا أو قريبا أكرمه ورحب به وأصر على أن يدخل يضيفه . وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم للضيف ، نأخذ نفس هذه الحالة إذا كان الإنسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق ، يحدث ارتباك عنيف ، ويبحث الرجل عن مكان يخفى فيه المرأة التي معه ، أو يبحث عن باب خفي ليخرجها منه ، أو يحاول أن يطفئ الأنوار ويمنع الأصوات لعل الطارق يحس أنه لا يوجد أحد فينصرف ، وقبل أن يخرج تلك المرأة ، فإنه يفتح الباب بحرص، وينظر يمينا ويسارا ليتأكد هل يراه أحد ، وعندما لا يجد أحدا يسرع بدفع المرأة إلى الخارج ، لأنها خطر يريد أن يتخلص منه ، وإذا نزل ليوصلها يمشى بعيدا عنها ، ويظل يرقب الطريق ، ليتأكد من أن أحدا لم يره ، وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى سرعة . هذا هو الفرق بين منهج الإيمان ، ومنهج الشيطان ، الحادثة واحدة ، ولكن الذي اختلف هو الحلال والحرام . انظر كيف يتصرف الناس في الحلال . . في النور . . في الأمان ، وكيف يتصرفون في الحرام ومنهج الشيطان في الظلام وفى الخفية ويحرصون على ألا يراهم أحد ، ومن هنا تأتى دقة التعبير القرآني . . في "وإذا خلوا إلى شياطينهم" . إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة ، إلى مكان لا يراك فيه أحد ، ولا يسمعك فيه أحد. لأن العلن في منهج الشيطان يكون فضيحة. لذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن يستر حركته في عدم الاستقامة، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح ، ولا يصح أن يلجمه أحد عنه ، وما دام لا يصح أن يراه أحد في مكان ما ، فاعلم أنه يحس أن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان الذي لا يقره الله ، ولا يرضى عنه . ولا بد أن نعلم أن القيم هي القيم ، حتى عند المنحرف ، وقوله تعالى : "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا" معناها أنهم عندما يتظاهرون بالإيمان يأخذون جانب العلن ، بل ربما افتعلوه ، وكان المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن يقولوا : لم نؤمن . وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية ، الجملة الفعلية تدل على التجدد ، والجملة الاسمية تدل على الثبات ، فالمنافقون مع المؤمنين يقولون : آمنا فإيمانهم غير ثابت ، متذبذب ، وعندما يلقون الكافرين ، "قالوا إنا معكم" دلالة على الثبات في الكفر. "الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون " إن هؤلاء المنافقين قوم لا حول لهم ولا قوة ، ولكن الله سبحانه وتعالى ، وهو القادر القوى حينما يستهزئ بهم يكون الاستهزاء أليما ، كان المنافق قد أظهر بلسانه ما ليس في قلبه ، فإن الله سبحانه وتعالى يعامله بمثل فعله ، فإذا كان له ظاهر وباطن ، يعامله في ظاهر الدنيا خيرا و يشمله ما يشمل المسلمين من خير ، وفى الآخرة يوم تبلى السرائر يجعله في الدرك الأسفل من النار ، لا يسويه بالكافر لأن ذنب المنافق أشد

 تجارة المنافق

الإنسان مخلوق على الفطرة "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (الأعراف 172)" استخرج الله ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم و مليكهم و أن لا اله إلا هو كما انه تعالى فطرهم على ذلك و جبلهم عليه قال تعالى "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (الروم 30)، و في الصحيحين ن أبى هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه و سلم "كل مولود يولد على الفطرة" ومن هنا نفهم معنى الآية اللاحقة التي تستعمل مثل التجارة:

أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (البقرة 16)

في الشراء ركنان المشترى أي السلعة و المشترى به و هو عادة المال. و في هذه الآية المال هو الهدى و السلعة هي الضلالة دلالة كما شرحنا في الآيات السابقة على كون الهدى و الإيمان هو الأصل في الإنسان لأنك لا تستطيع شراء الضلالة (السلعة) ما لم تكن تملك الهدى (المال) في الأصل. ثم تأتي تكملة الآية لتوضح أن عملية التجارة هذه خاسرة "فما ربحت تجارتهم" و كي تخسر التجارة يكفي أن يكون الربح معدوما و لكن في حالة الكفار "و ما كانوا مهتدين" تدل على أنهم لم يخسروا فائض المقايضة أو الربح فقط بل خسروا رأس المال الذي تاجروا به أيضا و هو كما نذكر "الهدى" فكانت تجارتهم أسوأ أنواع التجارة.

 

الأمثال في حق المنافقين و الكفار

مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون

وأراد الله أن يقرب المعنى إلينا فقال عن المنافقين: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا والذي يحاول أن يوقد نارا لا بد أن له هدفا. والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك. المهم أن يكون هناك هدف لإيقاد النار . . يقول الحق سبحانه وتعالى :" فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون". ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم. كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد أتى فقرروا أن يؤمنوا به. ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان ولكنه كان محاولة للحصول على أمان دنيوي لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون : أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وثمود. فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود . فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا ممكن أن يحصلوا على الأمن. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة. أنهم أوقدوا هذه النار. لتعطيهم نورا يريهم طريق الإيمان. وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه. وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم. فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان فهم الذين طلبوا نور الإيمان أولا فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه. فكأن الفساد في ذاتهم. وكأنهم هم الذين بدؤوا بالفساد وساعة فعلوا ذلك ذهب الله بنور الإيمان من قلوبهم .

أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين

الصيب هو المطر. والله تبارك وتعالى ينزل الماء فتقوم به الحياة مصداقا لقوله جل جلاله : "و جعلنا من الماء كل شيء حي" ، ومن البديهي أننا نعرف أن إنزال المطر هو من قدرة الله سبحانه وتعالى وحده ذلك أن عملية المطر فيها خلق و ضرب الله لنا به المثل كما ضرب لنا المثال بالنار وضوئها. فكلها أمثله لتقرب إلى عقولنا ما هو غيب عنا فالماء هو الحياة لكن هؤلاء المنافقين لم يلتفتوا إلى هذا الخير ، الذي ينزل عليهم من السماء من غير نصب أو جهد منهم. بل التفتوا إلى أشياء ثانوية كان من المفروض أن يرحبوا بها لأنها مقدمات خير لهم . فالمطر قبل أن ينزل من السماء لابد أن يكون هناك شيء من الظلمة في السحاب الذي يأتي بالمطر. فيحجب أشعة الشمس إن كنا نهارا ويخفى نور القمر والنجوم إن كان ليلا. هذه الظلمة مقدمات خير لكنهم لم يلتفتوا إلى الخير الذي ملأ الله به سبحانه وتعالى الأرض ، بل خافوا من الظلمة فنفروا من الخير. كذلك صوت الرعد ونور البرق. الرعد يستقبله الإنسان بالأذن وهى آلة السمع والبرق تستقبله العين. صوت الرعد قوى ، أقوى من طاقة الأذن . ولذلك عندما يسمعه الإنسان وهؤلاء المنافقون لم يضعوا الأنامل . ولكن كما قال الله سبحانه وتعالى : " يجعلون أصابعهم في آذانهم" ولم يقل : أناملهم. وذلك مبالغة في تصوير تأثير الرعد عليهم . فكأنهم من خوفهم وذعرهم يحاول كل واحد منهم أن يدخل كل إصبعه في أذنه ليحمى نفسه من هذا الصوت المخيف فكأنهم يبالغون في خوفهم من الرعد . لماذا يفعلون ذلك ؟ إنهم يفعلونه خوفا من الموت لأن الرعد والبرق يصاحبهما الصواعق أحيانا ، ولذلك فإنهم من مبالغتهم في الخوف يحس كل واحد منهم أن صاعقة ستقتله. فكأنهم يستقبلون نعمة الله سبحانه وتعالى بغير حقيقتها وهم لا يرون النعمة الحقيقية في أن هذا المطر يأتي لهم بعوامل استمرار الحياة . ولكنهم يأخذون الظاهر في البرق والرعد . وكذلك المنافقون، لا يستطيع الواحد منهم أن يصبر على شهوات نفسه ونزواتها إنه يريد ذلك العاجل ولا ينظر إلى الخير الحقيقي الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الآخرة وهو ينظر إلى التكاليف كأنها شدة ومسألة تحمل النفس بعض المشاق ويغفل عن حقيقة جزاء التكاليف في الآخرة وكيف أنها ستوفر لهم النعيم الدائم تماما كما ينظر الإنسان إلى المطر على أنه ظلمة ورعد وبرق ، وينسى أنه بدون هذا المطر يستحيل أن تستمر حياته. هم يأخذون هذه الظواهر على أنها كل شيء بينما هي في الحقيقة تأتى لوقت قصير وتختفي ، فهي قصيرة كالحياة الدنيا. ولكنهم لا يؤمنون إلا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة. . غفلوا عن ذلك الماء الذي يبقى فترة طويلة ، وتنبهوا إلى تلك الظواهر الوقتية التي تأتى مع المطر فخافوا منها وكان خوفهم منها يجعلهم لا يحسون بما في المطر من خير . والمنافقون يريدون أن يأخذوا خير الإسلام دون أن يقوموا بواجبات هذا الدين ! ! ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية هامة ، وهى أن خوفهم من زوال متع الدنيا ونفوذها لن يفعل لهم شيئا . لأن الله محيط بالكافرين، الإحاطة معناها السيطرة التامة على الشيء حيث لا يكون أمامه وسيلة للإفلات ، وقدرة الله سبحانه وتعالى محيطة بالكافرين وغير الكافرين. إذن : عدم التفاتهم للنفع الحقيقي ، وهو منهج الله ، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة . "يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير" إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن البرق - الذي هو وقتي وزمنه قليل - هو الذي يسترعى انتباههم ، ولو آمنوا لأضاء نور الإيمان والإسلام طريقهم . ولكن قلوبهم مملوءة

بظلمات الكفر فلا يرون طريق النور . . والبرق يخطف أبصارهم ، أي : يأخذها دون إرادتهم . وأن لهم سمعا يستمعون به كل شيء من خطط المؤامرات على الإسلام . وضرب الإيمان وغير ذلك . فإذا تليت عليهم آيات الله فإنهم لا يسمعونها . وفى ذلك يقول الله سبحانه وتعالى "ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم" : أنهم يسمعون ولا يعقلون ولا يدخل النور إلى قلوبهم ، فكأنهم صم عن آيات الله لا يسمعونها. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا مثل المنافقين بأنهم لا يلتفتون إلى القيم الحقيقية في الحياة ، ولكنهم يأخذون ظاهرها فقط يريدون النفع العاجل ، ظلمات قلوبهم لا تجعلهم يرون نور الإيمان وإنما يبهرهم بريق الدنيا مع أنه زائل ووقتي . ولأنه لا نور في قلوبهم ، فإذا ذهبت عنهم الدنيا تحيط بهم الظلمات من كل مكان لأنهم لا يؤمنون بالآخرة .

موقع آخر في سورة البقرة

ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون

والذي ينعق هو الذي يصوت ويصرخ للبهائم ، وهو الراعي ، إذن ، فكلمة ينعق أعطتنا صورة راع يرعى بهائم . وكان هذا الصياح من الراعي ليلفت الماشية المرعية لتسير خلفه ، وهو لا يقول لها ما يريده أن تفعله ، إنما ينبهها بالصوت إلى ما يريد ، ويسير أمامها لتسير خلفه إلى المرعى أو إلى نبع الماء ، فالنداء لفتة ودعاء فقط ، لكن ما يراد من الدعاء يصير أمرا حركيا تراه الماشية . فكان الماشية المرعية لا تفهم من الراعي إلا النداء والدعاء ، وهكذا نفهم أن هناك " راعيا " ، وماشية، و"صوتا من الراعي" وهو مجرد دعاء ونداء . مقابل هؤلاء الثلاثة في قضيتنا هو الرسول حين يدعو فيكون هو" الراعي " ويدعو من ؟ ، يدعو " الرعية " الذين هم الناس . وبماذا يدعو الرعية ؟ أيناديها فقط لتأتيه ، أم يناديها لتأتيه ويأمرها بأشياء ؟ إنه يأمرها باتباع منهج السماء وهذا هو الفارق بين الراعي في الماشية والراعي في الآدمين . فعندما يأتي الرسول ويقول " يا قوم إني لكم رسول ، وإني لكم نذير " ، فهذا هو الدعاء ، ومضمون ذلك الدعاء هو " اعبدوا الله " . " انظروا في السماوات والأرض " ، " افعلوا كذا من أوامر وانتهوا عن تلك النواهي " ، هذا ما يريده الرسول . إذن فمثل الذين كفروا بالرسول كمثل الماشية مع الراعي ، فهم لا يسمعون إلا مجرد الدعاء ، كما أن الماشية تسمع الراعي ولا تعقل ، مع الفارق أن الدواب ليس مطلوبا منها أن ترد على من يناديها لذا كان الكافرون شر الدواب . وقول الحق : " صم " أي مصابون بالصمم وهو آفة تمنع الأذن من أداء . مهمتها . و" بكم " أي مصابون بآفة تصيب اللسان تمنعه من أداء مهمته ، إلا أن السبب في الصمم سبب إيجابي ، لأن هناك شيئا قد سد منفذ السمع فلا تسمع ، وبسبب الصمم فهم أبكم ، والبكم هو عجز اللسان عن الكلام ، لأن الإنسان إذا لم يسمع فهو لن يتكلم . ولذلك فان الإنسان إذا وجد في بيئة عربية فهو يتكلم اللغة العربية ، وإذا نشا الإنسان في بيئة إنجليزية فهو يتكلم لغة إنجليزية . وهب أنك قد نشأت في بيئة تتكلم العربية ثم لم تسمع كلمة من كلماتها هل تتكلم بها ؟ لا . إذن . فاللسان ينطق بما تسمعه الأذن ، فإذا لم تسمع الأذن لا يتكلم اللسان . والصمم يسبق البكم ، ولذلك فالبكم هو آفة سلبية ، وتجد أن اللسان يتحرك ويصوت أصواتا لا مدلول لها ولا مفهوم . فهل نفهم من قوله تعالى عنهم : " صم " أنهم مصابون بالصمم ؟ لا . إن الحق يقول :لقد جعلت الأذن لتسمع السماع المفيد ولأنها معطلة لا تسمع شيئا . وكذلك اللسان أوجدته ليتكلم الكلام المفيد ، بحيث من لا يتكلم به كأنه أبكم ، والعقل أوجدته ليفكر به فإذا لم يفكر تفكيرا سليما منطقيا ، فكان صاحبه لا عقل له . فالأصم حقيقة خير من الذي يملك حاسة السمع ولا يفهم بها ، لأن الأصم له عذره ، والأبكم كذلك ، والمجنون أيضا له عذره ، فليت هؤلاء الكفار كانوا كذلك ، لقد صموا آذانهم عن سماع الدعوة ، وهم بكم عن النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا وسول الله.

 

المنافقين في سورة آل عمران

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون(118)ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور(119)إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط(120)

يا أيها الذين آمنوا : جاء الخطاب "يا أيها الذين آمنوا" على المواجهة تقديرا لهم وتعظيما وفي جانب الكفار يأتي على الغيبة إعراضا عنهم كقوله تعالى :"قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف".

لا تتخذوا بطانة : بطانة الرجل هم خاصته الذين يبطنون أمره، تشبيها ببطانة الثوب التي تلي البطن، فمن يخصه الإنسان بمزيد من التقريب يسمى بطانة، لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في القرب منه.

من دونكم : ليسوا منكم وعبر بلفظ "دون" أعلاما لهم بأنهم يظلمون أنفسهم وينزلونها من علي درجتها بمودة المنافقين.

وذكر علة النهي وحصرها في ثمانية أمور:

1-لا يألونكم خبالا

2-ودوا ما عنتم

3-قد بدت البغضاء من أفواههم.

4-وما تخفي صدورهم أكبر.

5-ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم.

6-وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ

7-إن تمسسكم حسنة تسؤهم

8-وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها

لا يألونكم خبالا: "يألو" إذا قصر فيه و "الخبال" الفساد والضرر. والمعنى لا يقصرون في مضرتكم وإفسادكم.

ودوا ما عنتم: الود هو الحب الشديد والعنت شدة المشقة والضرر. وليست هذه الجملة تكرارا للسابقة بل معناها بأن هؤلاء لا يقصرون في إفساد دينكم ودنياكم فإن عجزوا عن ذلك، فحب ذلك وتمنيه غير زائل عنهم، بل يظل دفينا في قلوبهم ولما كان هذا قد يخفى بينه قوله تعالى في العبارة التالية.

قد بدت البغضاء من أفواههم : والبغضاء أشد البغض، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء. والأفواه جمع فم. وكلمة البغضاء مجاز عن "الكلام الدال على الكراهية" إذ البغضاء من المعاني المكنونة في القلب وهي لا تبدو وتظهر من الأفواه، إنما الذي يبدو منها هو الكلام المترتب على البغضاء، فقد أطلق السبب (البغضاء) وأريد به المسبب (الكلام الدال على الكراهية).

وبلاغة هذا المجاز تبدو في تصوير الكلام الدال على العداوة بصورة البغضاء، للإشعار بأن الذي بدا من أفواههم هو ذات البغضاء على الرغم من محاولتهم إخفاءها في صدورهم، وذلك دليل على إنها تمكنت من قلوبهم، حتى أبت ألا أن تفيض فتنحدر من أفواههم.

وذكر "الأفواه" من دون "الألسنة " لأشعار بأن ما تلفظوا به يملأ أفواههم كما يقال تحدث بملء فيه.

وما تخفي صدورهم أكبر: ثم ذكر من بعد ذلك أن ما أبطنوه من الشر والإيذاء للمؤمنين، والبغض لهم اكبر، لأن ما بدا وظهر كان عن فلتة ومثله لا بد أن يكون قليلا، ولفظ الصدور مجاز عن القلوب، إذ القلوب مجمع الأضغان ومحل الأحقاد فقد أطلق المحل وأريد الحال فيها، والمجاز أبلغ في المعنى فكأنه قيل : أن هذه القلوب قد تضخمت بما فيها من الكراهية، حتى فاضت على الصدور فملأتها.

قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون: إن بيان هذه الأسرار من نعمة الله على المؤمنين وجملة الشرط "إن كنتم تعقلون" أتت على سبيل هز النفوس والتهييج لهم حتى لا يتخذوهم بطانة.

ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله: ومعناه أنهم لا يحبونكم، مع أنكم تؤمنون بكتابكم وكتابهم، فما بالكم لو كنتم لا تؤمنون بكتابهم، كما لم يؤمنوا بكتابكم؟ فأنتم أحرى ببغضهم، وهذا توبيخ للمؤمنين، إذ إن المنافقين في باطلهم أصلب من المؤمنين في حقهم. وذكر الكتاب بلفظ الواحد والمراد به الجمع لأن المراد به هنا هو الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".

وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ: بلغ من شدة نفاقهم أنهم إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض اظهروا العداوة حتى تبلغ الشدة عض الأنامل وهذا كناية عن الغضب إذ لما كثر هذا الفعل من الغضبان أصبح يطلق وصفا عليه ولو لم يعض أنامله.

قل موتوا بغيظكم : ظاهرها صيغة الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم  ومعناها الدعاء وقيل ظاهرها أمر و معناها الخبر ويقول صاحب البحر المحيط" هذا ليس بأمر حازم لأنه لو كان أمرا لماتوا من فورهم، وليس بدعاء لأنه لو أمره بالدعاء لماتوا جميعا على هذه الصفة فإن دعوته لا ترد وقد آمن منهم بعد هذه الآية كثير. وليس خبرا لأنه لو كان خبرا لوقع على حكم ما اخبر به يعني لم يؤمن به احد بعد. وإنما هو أمر معناه التوبيخ والتقريع كقوله تعالى "اعملوا ما شئتم" وقوله صلى الله عليه وسلم "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

إن الله عليم بذات الصدور: إن الله يعلم بما يجول في صدوركم من خواطر فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه.

إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها : عبر في جانب الحسنة بالمس، وفي جانب السيئة بالإصابة، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم، بحيث أن أي حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا، فهم يحزنون لذلك، أما بالنسبة لما يصيب المسلمين من مكاره فإن هؤلاء المنافقين لا يفرحون إلا في المصيبة التي تتمكن من المسلمين وتبلغ بهم أشد الضرر، وتؤذيهم في دينهم ودنياهم.

وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط: إن تصبروا على عداوتهم، وتتقوا اتخاذهم بطانة لا يضركم كيدهم، لأنكم وفيتم له بحق العبودية فهو يفي لكم بحق الربوبية، ويحفظكم من الآفات كما قال تعالى :" ومن يتق الله يجعل له مخرجا".

وللكلام تتمة إن شاء الله

 

Hit Counter