لحظ العامرية
البحر الطويل
نظرت إلى سيدي ومرشدي شيخ الوقت مربي العارفين، وآخر من عرفه الزمان من المحققين، في حاله مع حضرة القدس الإلهية, فنطق لساني مخبراً عن غيضٍ من فيضه فقلت:
|
أصاب فؤادي واسْتَقـر بمهجتي |
أَلَحْظُ مَهَـاةٍ أَمْ صَقِيـلُ أسِـنة |
|
عُهِدْتُ عزيزاً عند أهلي وجِيْرتي |
أقولُ لـه أمْهِـلْ علـيَّ فإنني |
| فمِـلْتُ أسيراً بعـد عـِزٍّ ومِنْعةِ | فجردنـي مـني و قيـَّد ناظِري |
| رمتـني صريعـاً في هواها بلمحةِ | نعـم ذاك لحـظ العامرية حينما |
| وأسقِـطَ قلبي في الغـرام بلـفتةِ | أخذت بسهمي طرفها مُذْ تلفتتْ |
| كما عينها النجلاء رَسْمُ جِراحتي | وقد ظَهرت في القلب منها جِراحةٌ |
| فَفُوْجِـئْتُ لما قَـرَّبَتْ وتَدَلـتِ | تقربتُ منـها أستطيـبُ وِدادَها |
| وغُيِّبْتُ لمـا بالجمـال تَحَـلََّتِ | وصَعَّدْتُ فيها الطرْف لما تبسمَتْ |
| فقالتْ سلامـاً للمـحبِّ المفَتَّتِ | فقـلتُ لهـا مِني إليـكِ تحيـةٌ |
| فحاذِرْ بأن تدنـو بنفسكَ يا فتي | أهَالَكَ أن تَدْنـو لصَرْحِ جمالِـنا |
| إليهـا بنفـس لا يُنَوَّلُ رؤيتي | فحضرتنا قدسٌ وكـل فتى أتى |
| قَبِلْناكَ فاهْنأ قد حَظِيْتَ بدعوتي | و لولا رِضَانا لم تَفُزْ بشهودِنا |
| رضيتُ وحاشا أن تخيبَ بحضرتي | تمتـعْ فلا عَتْبٌ عليـكَ فإنني |
| وهِمْ واحتشِم واطوي الوجودَ بلحظة | و دُسْ بنعال الحُب فوق بساطِنا |
| كما لسـتُ أرضى للحبيب بقِلةِ | وما كنتُ أرضى من حبيبـيَ قِلَّةً |
| ولم نُبْقِ منها للسوى أي نَسمةِ | فبتْنَـا وأنْسـَامُ الغرامِ تَضُمُّنا |
| تَصبُّ كؤوسَ الراحِ في كل نظرةِ | وجرعْتُ خمْرَاً من عيون كَحِيْلَةٍ |
| وجوهٌ تَغطتْ من هُيامٍ وفرحةِ | ولما هَمَمْنا بالعناقِ وأسْفَرَتْ |
| بكشفِ تَدانِيْنا فقُمْنـا بلوعَةِ | هوى الستْرُ عنا والصباحُ أغَاظَنا |
| فإني لمـا أقْضِ بالقـربِ حاجتي | فقمتُ وقلـبي بالأنين مُحَرَّقٌ |
| فإن القضا أمْضى لنـا أمرَ عودة | فجادتْ بوعدٍ أن تُعيدَ وِصـالها |
| بشـارَتَها أتلو فألـقى بِشَـارتي | ففي ثالثِ الآياتِ من سورةِ الضحى |
| تحدُّرُ دمعي واضطرام صبـابتي | لعمريَ مـا وفَّىْ بشـائرَ وصلِها |
| ونادى حُدَاة العِيْسِ فارقْتُ جِيرتي | ولمـا شَدَدْنا للرحيـلِ مُطيَّـنا |
| وأمْعَنْتُ كي أقضي لُبَـانَة مُقلتي | لَثَمْتُ ثَراهـا مرةً بـعدَ مـرةٍ |
| وفـارقَني لمـا هممتُ برحلتي | فإذ بفؤادي نَدَّ عَني لعندهـا |
| وقد كدْتُ أقضي من أنيني وعَبْرتي | وإذ بدموعي مثل غَيْثِ سَحابة |
| دعاني إلى إبداءِ سيما التَّشَتُت | وغبتُ فلم أدري بحاليَ والذي |
| مُفارقةِ الأحبابِ فالموتُ فُرقتي | فإن قيل صبراً لم أجدْ صبراً على |
| ومالي من سلوى ويا بُعْدَ سلوتي | وربكَ خِلِّي إن حالي تفاقَمَتْ |
| ومالي لصَرفِ الشوقِ أيةُ حيلة | أصارعُ فيَّ الشوق وهو مُغَالبي |
| فيمنعني التِذْكار سُكْري ونشوتي | على حانة الخمارِ أغدو مُتَيَّماً |
| ويُهلكني وجداً بذكرِ حبيبتي | ويَحْدو ليَ الحادي فيُجْري مَدامِعي |
| فأمشي عليلاً في هُيامي وسَكْرتي | يُذَكرني ساعاتِ صَفْوٍ فيُشْجِني |
| وحقكَ لولا العهدِ أقضي بميْتَتي | عَدِمْتُ اصطباريْ واصطباريَ مَلَّني |
| ولا ينقضي حتى أموتَ بصَبْوتي | لَعَمْرُكَ ما يَبْلى الهوى في جوانحي |
| وليس لدائـي من دواءٍ لعلتي | أســيرُ هـواها والعليلُ بحبها |
| إذا مِتُّ يوماً مات حب البرية | سوى الراحةِ الكبرى بموتي وإنني |
| فإنيَ إن أفـنى ستبقى محبـتي | وما كل ما يفنى ستفنى حُظُوْظُه |