الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
المقدمة
طريقي إلى الله وفضل شيخي حفظه الله
هذا
وإن القارئ العزيز ليشعر بتفاوت فيما بين قصائد هذا الديوان، وتنوعٍ في المرامي
والغايات والمعاني والمواضيع، وإني لا أخفي القارئ العزيز أن هذا إنما هو انقلاب
في تيار حياتي حول لي نقطة الهدف ورجع بي إلى المسلك الصحيح والمنهج القويم، فإني
لم أكن يوماً لأعيش بدون حب إذ فطرني الله عليه، وما كنت لأصبح شاعراً بدونه، لكن
شتان ما بين حب وحب، فكثيرا ما يحب الإنسان أشكالاً وصوراً دون شهود مصورها ومُشَكِّلها
وهذا هو الضلال بعينه، ولكن إذا أراد الله الهداية لعبد وفَّقه لحبه هو دون ما
سواه سبحانه، ولما أراد الله لي الهداية وأدركتني عنايته كان تصحيح المسار على يد
شيخ الشاذلية في عصره الوارث المحمدي إمام العارفين سيدي وقدوتي (
محمد مضر مهملات) حفظه الله وأدامه
ذخراً للأمة، وحاملاً للواء الكتاب والسنة، فهو الذي أوضح لي الطريق، وعرفني حقيقة
الحب ذوقا، ودلني على المحبوب، فبعد حبي للصور عرفت أنها لم تُحب إلا لوجود سر
مصورها فيها، والأشكالُ حبها في الحقيقة لمن أظهرها من حيز العدم فصارت في أحسن
تقويم، فمن حُجِب بالصور عن المصور والأشكال عن مشكِّلها فقد أخطأ المرام، ورام
السعادة من سراب حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ومن عرف أن الحب لا يكون إلا لله فذلك
الذي عرف حق المعرفة.
فجزى
الله عني شيخي خير الجزاء، إذ بسنا هداه استنرت في طريقي، ومن إكسيره كان تحويلي
من الشقاء إلى سعادة ما مثلها سعادة، وبه تجمعت الأهواء بعد تفرق وكلما وقفت أمامه
رأيت لسان حالي يقول ( من البحر البسيط ):
قد
كان لي قبلها حب ككل فتى يهوى الملائح
مغرورا بأسباب
و
حين عاينتها فارقت كل سوى وصرت خاطبها وازداد خطابي
ولم
يعد في سواها اليوم لي طلب و لن
يرى غيرها حبي وإعجابي
ولا غرو أن أقول فيه ( من البحر
الكامل
):
شمسُ
المعارف قبلتـي أعظمْ بـه من كامـل جُـمعت
به أهوائي
أفلتْ
شموس العالمين وشـمسـهُ أبدا توسَّط قـبـة الـزرقـاء
أهدى
رسول الـحق خلعتَه لـه وكسا عوارضه بـبُـرْد
بـهاء
والله
أوجده بـهذي الأرض كي يبقى خليفة حـضرة
الأسـماء
أنى
أحيط
بكنهـهِ و صفاتـه في بـاطـن أو ظاهر مُـتَرائي
فرد
الزمان وأوحدُ العصر الذي أسمو
بـهمـتـه إلى العلـياء
مـن
ريقه الترياق راقَ وطـبه للقلب
شافٍ من شديد الداء
إكسيـره
الإرشاد حولنـي به نـحو
السعادة من إسار شقائي
وإني
لم أقل فيه هذا الكلام إلا لأنه دلني على الله عز وجل، وبهمته عرفت معنى أن أعبد
الله كأني أراه، وكان من استشراف ما تحلى به من الصفات إستشراق ما تجلى من أنوار
الذات، وهو الذي عرفني برعونات نفسي، وأخذ بيدي فنهض بي إلى مواطن الإمداد، وما
ذلك إلا لتحققه بمعرفة الإرشاد، فكان حقا علي تقديمه، وواجبا علي تعظيمه، ورحم
الله العارف أبا مدين حيث يقول: ( الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم، وسرك بالتعظيم،
الشيخ من هذّبك بأخلاقه، وأدّبك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه ).
وهو
الذي أخذت عنه ما لم يتحصل لي عند غيره من الأشياخ ورحم الله ابن عطاء الله إذ يقول في لطائف المنن: ( ليس
شيخك من سمعتَ منه، إنما شيخك الذي أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عبارته، إنما
شيخك الذي سرت فيك إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب إنما شيخك من رفع بينك
وبينه الحجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك من نهض بك حاله، شيخك هو الذي
أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على المولى، شيخك هو الذي مازال يجلو مرآة قلبك حتى
تجلت فيه أنوار ربك، نهض بك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، ولازال
محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك. هناك
محل الولاية من الله، ومواطن الإمداد من الله، وبساط التلقي من الله ).
وما
تحصل لي هذا الإشراق على يده إلا لأن نهجه في الإرشاد هو نهج شيخه إمام الشاذلية
في عصره، سيدي عبد القادر عيسى رحمه الله فقد خَلَفَهُ في الإرشاد، وحمل عنه سر
الطريقة الشاذلية العلية المنسوبة إلى قطب وقته وفريد عصره، سيدي أبي الحسن
الشاذلي رحمه الله الذي يقول: ( من وجد منهلا أعذب من منهلنا فلينهل منه، وليدلنا
عليه لننهل معه ).
وهو
الذي يقول عنه خليفته سيدي أبو العباس المرسي رحمه الله: ( لقد صحبت رأسا من رؤوس
الصديقين، وأخذت عنه سرا لا يُنال إلا لواحد بعد واحد وفرد بعد فرد، وبه أفتخر
وإليه أنتسب، وهو سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه ).
واصْغَ
أيضا إلى سيدي ابن عجيبة وهو أحد أبناء هذه الطريقة حيث يقول في المباحث الأصلية
واصفا لها: ( طريق الشاذلية الحقيقية من تأملها وجدها جمعت بين الطريقين طريق
الإشراق وطريق البرهان، لأن أشياخها الكمَّل يدلون أولا على إتقان الشريعة والفناء
في العمل به، ثم على إتقان علم الطريق ثم على الحقيقة ).
وقد
جاء في لطائف المنن: ( كان مبنى طريق الشاذلي والنقشي على الجمع على الله وعدم
التفرقة، وملازمة الذكر والخلوة ).
هذا وإن اتخاذ مربٍّ وشيخ مرشِد أمر لابد منه لمن أراد التعرف على الحق والوصول إلى حضرته سبحانه، إذ لا يمكن الوصول إليه دون تزكية للنفس حتى تتهيأ لملاقاة ربه، وإذا كان كل إنسان يملك من العيوب ما يعيقه عن الوصول، فالتزكية هي التي تجعله يتخلى عن كل خلق دني، ويتحلى بكل خلق سَنِي، ورحم الله الإمام الغزالي حيث يقول: ( الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ).
ضرورة التزكية للسالكين وأهمية وجود المرشد :
وإذا علمت بأن التزكية ضرورية للوصول فاعلم
بأنها لا يمكن أن يحصلها الإنسان بنفسه دون شيخ مرشد، فالإنسان كثيرا ما تغيب عنه
عيوب نفسه فيظن بأنه خال منه، وأنه من خيرة الناس، مع العلم بأن فيه من الخِلال
ما يباعد بينه وبين ربه، بل وتراه يرى عيوب غيره ناسيا لعيوبه، فيكون كالذي يرى
القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع النابت في عينه، ولكي يرى هذا الجذع النابت في
عينه فلابد له من مرآة صافية تطلعه على عيوبه، وهذه المرآة هي الأخ المؤمن قال صلى
الله عليه وسلم: ( المؤمن مرآة أخيه ) رواه أبو داود عن أبي هريرة. فإذا
عرف عيبه تخطى مرحلة هامة إلى الله، ثم بقي عليه أن يزيل هذا العيب والمرض الخبيث
الذي يحول بينه وبين ربه، ولكن أنى له ذلك والإنسان كما علمت رحيم بنفسه، لا يُعَنِّيها
ولا يضغط عليها لتتخلص من نزواتها وشهواتها التي ألفت الركون إليه، فلذا احتاج
إلى أخ مؤمن يأخذ بيده للتخلص من رعونات نفسه، هذه الرعونات التي شكلت لديه مرضا
إن أهمل علاجه أدى إلى حتفه، وكم من مرض لا يشفى إلا بكيٍّ وبتر، ولا يفعل الإنسان
ذلك بنفسه رحمة منه له، فعند ذلك يمتد المرض إلى سائر جسده فيموت بعلته إن لم يجد
طبيبا يعالجه بما يجده مناسبا لحالته، ورحم الله الإمام ابن حجر الهيثمي إذ يقول
في الفتاوى الحديثية: ( والحاصل أن الأولى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن
يكون مديما لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة فإنه هو الطبيب
الأعظم، فبمقتضى معارفه الذوقية وحكمه الربانية يعطي كل بدن ونفس ما يراه هو
اللائق بشفائها والمصلح لغذائها ).
هذا
وإنك لتدرك أن اتخاذ مرشد أمر معلوم من الدين بالضرورة، فالله سبحانه قد أمر عباده
بأن يتخذوا من الصالحين قدوة وأسوة فقال تعالى: {اتبع سبيل من أناب إلي}[لقمان15]،
وقد ذكر الإمام الرازي في تفسيره سورة الفاتحة قوله: ( قال: بعضهم: إنه لما قال
تعالى{إهدنا
الصراط المستقيم}لم يقتصر عليه بل قال:
{صراط الذين أنعمت عليهم}وهذا يدل
على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى
بشيخ يهديه إلى سواء السبيل ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل وذلك لأن النقص
غالب على أكثر الخلق، وعقولهم غير وافية بإدراك الحق وتمييز الصواب من الغلط، فلا
بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل الكامل، فحينئذ يصل
إلى مدارج السعادات، ومعارج الكمالات ).
وقد
أمر سبحانه أن نكون مع هؤلاء الصالحين حيث كانوا قال تعالى: {اتقوا الله وكونوا مع
الصادقين}[التوبة
119].
ولولا
ضرورة المرشد لما أرسل الله الأنبياء عليهم السلام ليرشدوا البشرية إليه، وينقذوهم
من خطر اتباع هوى النفس، ولو كان الإنسان يستطيع أن يهدي نفسه بنفسه لما كانت
الحاجة إلى نبي أبد، والنبي إنما مهمته أن يُعَلم الكتاب والحكمة وأن يزكي النفس
البشرية ولذا قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {ربنا وابعث فيهم نبيا
منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}[البقرة129].
وإذا كان زمن الأنبياء
قد مضى فإن الله جعل لهم ورثة يحملون من بعدهم هذه الأمانة، ويقومون بهذه المهمة
من التعليم والتزكية، ومهما كانت الظروف فلابد من وجودهم حملة لشعلة هذا الدين
القويم، فهم الذين يقول عنهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) متفق
عليه. وهؤلاء الظاهرون على الحق هم ورثة الأنبياء من العلماء العاملين أهل علم
اللسان والقلب معا فالنبي صلى الله عليه وسلم قسم العلم إلى علمين فقد جاء عنه قوله:
( العلم علمان، فعلم في القلب فذلك العلم النافع، وعلم اللسان فذلك حجة الله
على ابن آدم ) رواه الخطيب وابن أبي
شيبة عن سيدنا جابر. فأهل علم اللسان هم علماء الشريعة، وأهل علم القلب هم أهل
الطريقة، والجامعون بينهما هم أهل الحقيقة وورَّاث النبي صلى الله عليه وسلم، فليس
من حمل علم اللسان فحسب هو المقصود بوراثة النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنك تعلم
أن كثيرا من هؤلاء العلماء ربما يكون أحوج الخلق إلى التزكية لعدم عمله بما علم،
فيكون علمه حجة عليه لا له.
وأما
ورثة الأنبياء العاملون فلا يمكن أن يستغنى عنهم سائرٌ إلى الله تعالى، ولو كان
يستطيع أحد أن يستغني عن أحد في هذا الطريق لاستغنى سيدنا أبو بكر عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهذا محال، ولذا قال الشيخ الأكبر رحمه الله: ( من لم يأخذ الطريق عن الرجال فهو ينتقل من
محال إلى محال ).
واعلم
بأنك لا تستطيع أن تنتفع بهؤلاء الوارثين المحمديـين حتى تعتقد فيهم الخصوصية،
وإذا عَدِمْت هذا الاعتقاد حُرِمت من خيرهم وإمدادهم، وهذا أمر منطقي واضح ومعلوم
فسيدنا أبو بكر رضي الله عنه ما نال ما نال من القرب والرتبة السامية إلا بما وَقَر
في قلبه من الاعتقاد بخصوصية رسول الله، فبهذا الاعتقاد سبق غيره من الصحابة
أجمعين، ومع أن أبا جهل كان قريبا من النبي ومعاصرا له ورأى له الكثير من المعجزات
الدالة على صدقه، فإنه ما حجبه عن الإيمان إلا أنه لم يكن يرى النبي بخصوصيته، بل
كان يراه ببشريته يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وينكح النساء، ويراه يتيم أبي طالب
وابن أبي كبشة، وهذا الذي جعله سابق الناس إلى جهنم، ورحم الله سيدي ابن عطاء الله
حيث يقول في لطائف المنن: ( إنما يكون الاقتداء بولي دلك الله عليه، وأطلعك على ما
أودع من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته، فألقيت إليه القياد،
فسلك بك سبيل الرشاد، فعرفك برعونات نفسك وكمائنها ودفائنه، ودلك على الجمع على
الله، والفرار مما سوى الله، وسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله، يوقفك على إساءة
نفسك ويعرفك بإحسان الله إليك، فيفيدك في معرفة إساءة نفسك الهرب منها، وعدم
السكون إليها، ويفيدك في العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه، والقيام بالشكر
إليه والدوام على ممر الساعات بين يديه ).
واعلم
بأنك مهما بلغت من العلم والرتبة فإنك تحتاج إلى مرشد عارف حتى آخر لحظة من عمرك،
لأنه ما دام عندك من عمرك نَفَس واحد فإن عندك نَفْساً أمارة بالسوء وشيطانا يكيد
لك كيدا ولا يُكِنُّ لك ود، وها هو سيدنا أبيُّ بن كعب رضي الله عنه وقد بلغ
مرتبة الصحبة التي ما مثلها مرتبة يحتاج إلى تزكية النبي صلى الله عليه وسلم له
فقد جاء عنه قوله: ( كنت في المسجد فدخل رجل فصلى فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل
آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه فدخل آخر فقرأ سوى قراءة
صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم
شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا كأني في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرق، وكأني أنظر إلى الله عز وجل
فرقا ) فانظر كيف دخل إلى قلب ذلك الصحابي الجليل تكذيب كتكذيب أهل الجاهلية ولم
يخلصه من هذا التكذيب إلا مسحة تزكية من يد المصطفى صلى الله عليه وسلم ذهب بها
عنه ما وجد من التكذيب، وزرع في قلبه إيمانا كاملا حتى كأنه أصبح ينظر إلى ربه عز
وجل عيانا.
واعلم بأن كثيرا من العلماء العاملين الذين
يُعدون قدوة للأمة ونبراسا لها لم يصلوا إلى تلك الدرجة السامية إلا بعد أن سلكوا
على يد أشياخهم العارفين بالله، وزكوا أنفسهم على أيدي هؤلاء الواصلين فوصلوا إلى
مراتب العز والشرف بهمة أشياخهم، فهذا حجة الإسلام الغزالي رحمه الله يقول: ( كنت
في مبدأ أمري منكرا لأحوال الصالحين ومقامات العارفين، حتى صحبت شيخي يوسف النساج،
فلم يزل يصقلني بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام فقال لي:
يا أبا حامد دع شواغلك واصحب أقواما جعلتهم في أرضي محل نظري، وهم الذين باعوا
الدارين بحبي. قلت: بعزتك إلا أذقتني برد حسن الظن بهم قال: قد فعلت، والقاطع بينك
وبينهم تشاغلك بحب الدني، فاخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا فقد أفضت
عليك من أنوار جوار قدسي.فاستفقت فرحا مسرورا وجئت إلى شيخي يوسف النساج فقصصت
عليه المنام فتبسم وقال: يا أبا حامد هذه ألواحنا في البداية بل إن صحبتني ستكحل
عيونك بإثمد التأييد ).
ويكفيك
أن تعلم أن الإمام الغزالي عندما أراد أن يتتلمذ على يد شيخه النساج، طرده شيخه
ثلاث مرات، ولم يقبله حتى يطرح علمه ونفسه ويجاهدها على طاعة أمر الشيخ، وكان قد
أمره أن ينظف المنافع في الجامع الأموي بدمشق، وكانت أربعين كنيف، فما أتم
الأربعين حتى طرح نفسه وعلمه جانب، وجاء إلى شيخه بنفس مستعدة للتربية والتزكية،
وإن العجب ليكمن في أن الإمام الغزالي وهو مدير المدرسة النظامية ببغداد، وصاحب
الموكب الذي كان أبهى من موكب الخليفة يتتلمذ على يد هذا الشيخ الذي كان أمياً لا
يعرف القراءة ولا الكتابة.
وهذا
هو الإمام الشافعي رضي الله عنه يصحب شيخه وكيعا رحمه الله ويشكو إليه ضعف قوة
الحفظ لديه فيوجهه شيخه إلى ترك المعاصي وفي ذلك يقول الإمام الشافعي:
شكوت
إلى وكيع سوء حفظي فأرشدنـي إلى ترك المعاصي
و
أرشدنـي بأن العلم نـور و نور الله لا يـهدى لعاصي
ويقول رضي الله عنه: ( استفدت من الصوفية في
مجالسهم شيئين، قولهم الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وقولهم إن لم تشغل نفسك
بالخير شغلتك بالشر ).
وهذا
عز الإسلام سيدنا العز بن عبد السلام لم يصل إلى هذه الرتبة إلا بعد صحبته للإمام
أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه.
وحين
تدرك ضرورة اتخاذ شيخ مرشد لك فما عليك إلا أن تفتش عنه لكي تصحبه، ولكي تكون
مطمئنا إلى تسليم قلبك له فعليك أن ترى له صفات وشروطا متحققة فيه، فإن عَدِم شيئا
منها فلا حاجة لك فيه، وعليك أن تبحث عن غيره، فيجب أن يكون الشيخ الحقيقي ذلك
الذي يجمعك في حضوره ويحفظك في غيابه، ويجب أن يكون صاحب ذوق صريح، وعلم صحيح، وهمة
عالية، وحالة مرضية، وبصيرة نافذة، متمسكا بالشريعة بحذافيرها ولله در القائل:
ولا
تقتد بمن زلت شريعته وإن وافاك
بالأنبا عن الله
وأن يكون لديه العلم الظاهر والباطن، علم
اللسان وعلم الجنان، ولا تصح إمامة من
عنده الجهل بالدين، ولا من عنده إسقاط لحرمة المسلمين، ولا من كان دخوله فيما لا يعنيه، ولا من لديه اتباع الهوى وسوء الخلق من غير مبالاة، ويجب أن
يكون دليلا لك على الله لا على ما سواه لذا يقول سيدي عبد السلام بن مشيش: ( من
دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك
) وأن يكون منطبقا عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله أصحابه يا رسول
الله أي جلسائنا خير فقال: ( من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم
في الآخرة عمله ) رواه ابن عباس.ويجب أن يكون هذا الشيخ وارثا عن شيخ قبله
ومأذونا منه، فالمأذون هو المأمون لا غيره، وإن المأذون من الأشياخ يكون موصولا
بسلسلة ممتدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وغير المأذون يكون مقطوعا عن هذه
السلسلة، ويكون مدعيا للواسطة فيما بين الله والعباد كذب، لذا يقول سيدي محمد
الهاشمي في شرح شطرنج العارفين: ( من تعرض للمشيخة بغير إذن فهو مفتون مغرور مغبون
يخشى عليه سوء الخاتمة. وذلك لما فيه من الجراءة على الله، وادعاء الواسطة بين الله
وبين العباد، والخلافة عن رسله في الهداية والإرشاد ).
وإذا
تحصَّل لك شيخ قد اكتملت فيه هذه الصفات فما عليك إلا أن تصحبه بالأدب معه، وعدم
المخالفة له في أمر وإن بان لك خلافه، وأن تجتنب نهيه وإن رأيت فيه حتفك، وأنت قد
علمت ما جرى لسيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام، فسيدنا موسى الذي كان يتبع الخضر
للتعلم منه رأى خلاف ما رآه الخضر وقد كان الحق في الظاهر مع سيدنا موسى، ولكن
الله قد اختص سيدنا الخضر بالعلم اللدني الذي غاب عن سيدنا موسى عليه السلام فلما
كان الاعتراض من سيدنا موسى على الخضر، حُرِم سيدنا موسى من هذه الصحبة ونفعه، لأنه
أخل بأدب الإتباع ولو أنه صبر وخالف نفسه في طاعة الخضر لنال من العلم اللدني ما
الله به عليم، ولذا يقول ابن حجر الهيثمي رضي الله عنه في الفتاوى الحديثية:( والحاصل أن الأولى بالسالك قبل الوصول
إلى هذه المعارف أن يكون مديما لما يأمره به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة
).
ويقول
الشيخ الأكبر رحمه الله: ( إذا وُجِد من تحصل في نفسك حُرمته فاخدمه، وكن ميتا بين
يديه يصرفك كيف يشاء، لا تدبير لك من نفسك معه تعش سعيدا، وكن مبادرا لامتثال ما
يأمرك به وينهاك عنه، فإن أمرك بالحرفة فاحترف عن أمره لا عن هواك، وإن أمرك
بالقعود فاقعد عن أمره لا عن هواك، فهو أعرف بمصالحك منك، وأرغب الناس إلى الله في
مصالحك على يديه منك ).
ويجب
عليك أن تخدم شيخك الذي اتخذته لك مرشدا فإن من بان عليك فضله وجبت عليك خدمته،
ومن لا فل، ويجب عليك حفظ حرمة الشيخ حاضرا وغائبا حيا أو ميت، وأن تقوم بحقوقه
حسب الإمكان بلا تقصير، وأن تعزل عقلك وعلمك ورياستك إلا ما يوافق ذلك من شيخك
،فالمريد الصادق في الطلب لا علم له مع علم شيخه، ولو انه ادعى العلم أمام شيخه
لحرمه هذا الادعاء من علوم الشيخ كما حصل لسيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام،
وعلى المريد أن يعتقد الخصوصية في شيخه، وأن يصدقه في جميع أحواله، فلا ينكر شيئا
منها فإن كان المريد مصدقا لشيخه، نال و إلا حُرم من خيره وعلمه وإمداده، وقد قال الإمام
الجنيد رحمه الله: ( التصديق بعلمنا هذا ولاية، وإذا فاتتك المنة في نفسك فلا يفتك
أن تصدق بها غيرك، فإن لم يصبها وابل فطل ).
ثم
إن القارئ العزيز قد يجد في طيات هذا الديوان ما يأخذه علي من المعاني التي إن حُمِلت
على لازم معناها أفادت غير المعنى الذي أريد، وهذا راجع إلى أن في كثير من قصائدي
شيئا من الأذواق الخاصة والمعاني النادرة التي ربما دقت على الفهم لما فيها من
الكنايات التي تعزب عن فهم الجم الغفير من الناس في هذه الأيام، حتى أصبح بينها
وبين الناس بَوْنٌ شاسع، فإذا ما تلقوها طعنوا فيها وأنكروها، وليس هذا لعيب فيها
ولكن لعزتها على الفهم، ولأنها مما لا يدرك إلا بالذوق كما لا يدرك الشوقَ إلا من
يكابده ولا الصبابةَ إلا من يعانيها، وكذلك لو أنك جئت تصف للطفل الصغير لذة
النكاح فلن تقدر على إيصالها له ولو مكثت الأشهر ذوات العدد، وإن أردتُ أن اصف لك
طعم فاكهة لم تذقها في عمرك فمهما وصفتها لك فلا يمكن أن تعرف طعمها حتى تذوقها
بنفسك، فما لا يدرك إلا بالذوق لا يمكن أن يحيط به الفهم أو يُجَليه الوصف، فهكذا
لا يدرك هذه المعاني النفيسة إلا من تحصلتْ له ذوقا و عاينها حقا، ومن قصرتْ همَّته
عن ذوقها ومعاينتها كان من حقه أن ينكرها لتعذر معرفته لها فهما و إدراكا، ولهذا
وجب أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ولذا قال الصوفية رضي الله عنهم: ( حرام على
غيرنا قراءة كتبنا )، وذلك لأن لهم لغتهم الخاصة التي لايفهمها غيرهم، ولهم
كناياتهم التي لا يدركها معناها سواهم.
ولقد
تبين لي هذا الأمر عندما كنت أعرض هذا الديوان على العلماء وأهل الفكر والرأي فقد
كان تعليق أحدهم جزاه الله خيرا أن قال: إن هذا الكلام ليس لغة النادر فحسب بل هو
لغة أندر النادر، ولابد أن يصاحبه حال صاحبه فيصدقه فإذا عُرف صاحبه لم ينكر عليه
أحد، أما إذا عُرف بدون صاحبه فسيكون عليه وبالا، لأن الناس ما عادوا يدركون هذه
الحقائق فهم لها منكرون.
وإن
من هذه المعاني معنى غرق في جهل المقصود منه الكثير من الناس، فبدا لهم على غير
المراد منه عند السادة الصوفية، وهو ما يعرف بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وما
جهله الناس إلا لضيق أفق الفهم لديهم ولأخذهم الكلام على ظاهره دون الغوص في
مكنونات مقاصده، وإن الحلول والاتحاد ليعتبر من أكبر المشكلات التي يثيرها
المغرضون على السادة الصوفية، ويتهمونهم بها زورا ويزورون المقصود الحقيقي منها
ويلصقون بالصوفية ما لا يقولون، وما لا يعتقدون، وما هم منه براءٌ براءة الذئب من
دم سيدنا يوسف بن يعقوب.
فالحلول
بمعنى أن الله سبحانه قد حل في الكون بجميع أجزاءه من حجر وشجر وإنسان وحيوان وبر
وبحر أي أن كل ما في الوجود هو ذات الله تعالى الله عن ذلك علوا كبير، إذ ليس من
الممكن أن تتدلى الربوبية لتحل في العبودية، أو تترقى العبودية لتتحد مع الربوبية،
وإن من المحال أن يكون المخلوق هو عين الخالق، فالمخلوق ضعيف والله لا يجوز عليه
الضعف والمخلوق فقير وذليل ومحتاج وفانٍ والله يستحيل عليه كل صفات النقص هذه، وكيف
يكون المخلوق خالقا والمصنوع صانعا والحادث قديما، وكما أنه لا يمكن أن يتحد اثنان
من المخلوقات وهما من جنس واحد فكيف يمكن أن يحل ويتحد متباينان في الجنس والنوع، وإن
كان في المخلوق سر من الخالق وهو هذه الروح التي هي من أمر الله قال تعالى: {ونفخت فيه من روحي}[الحجر29]
فهذا لا يعني بأن في المخلوق جزءاً من الخالق فالله سبحانه ليس بكَمٍّ معدود حتى
يتجزأ وهو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ولا
يجوز بأن يعتقد أحد بهذا المعنى من الحلول والاتحاد حتى ولا أن يقوله من باب الشطح،
فكل ما خالف الشرع فهو مردود على صاحبه كائنا من كان، ومن اعتقد بالحلول والاتحاد
فقد كفر وعليه تجديد إيمانه، فالقول بأن الله تعالى حلت ذاته في مخلوق ما هو إلا
كفر واضح يخالف جميع عقائد أهل التوحيد الصحيح، ولم يكن الصوفية في يوم ما يعتقدون
بهذا أبدا، فهذا هو الضلال البعيد الذي لا ينساق إليه هؤلاء السادة، بل هم أبعد
الناس عنه، وأشد المعادين لمن يعتقد به، ولو تأملت كلامهم في كتبهم الصحيحة النسبة
إليهم لوجدت حقيقة القول أن هؤلاء القوم هم أصح الناس عقيدة ونهجا، ولا ينبغي لهم
مثل هذا الكلام أبدا، وها أنا أسوق للقارئ الكريم طرفا من أقوالهم لكي تتوضح له
عقيدتهم الحقة، ونهجهم المستقيم، فقد ذكر سيدنا محي الدين بن العربي رضي الله عنه
في الفتوحات المكية قوله: ( اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع، ومقام الواحد
يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد في شيء، وقال أيضا: من قال
بالحلول فهو معلول، فإن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد إلا أهل
الإلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول، وقال أيضا رضي الله عنه في
بعض أشعاره:
ودع
مقالة قوم قال عالمهم بأنه
بالإلـه الواحـد اتحدا
الاتحاد
مـحال لا يقول به إلا
جهول به عن عقله شردا
وقال أيضا رضي الله عنه: الحادث لا يخلو عن
الحوادث، ولو حل بالحادث القديمُ، لصح قول أهل التجسيمِ، فالقديم لا يحل ولا يكون
محلا، وقال رضي الله عنه أيضا: ( لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ولو بلغ أقصى
درجات القرب، وحاشا العارف من هذا القول حاشاه، إنما يقول: أنا العبد الذليل في
المسير والمقيل، وقال رضي الله عنه: لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته والملك عن
ملكيته ويتحد بخالقه تعالى، لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها، وصار
الحق خلقا والخلق حقا وما وثق أحد بعلم، وصار المحال واجبا، فلا سبيل إلى قلب
الحقائق أبدا ) وقال أيضا رضي الله عنه: ( أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي
يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء، وأن الشمس ما
انتقلت إليه بذاتها، وإنما كان القمر محلا لها، فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء
ولا حل فيه ). وقال أيضا رضي الله عنه: ( العالم ما هو عين
الحق ولا حل فيه الحق، إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى قديما ولا
بديعا ).
وأنت
أيها القارئ العزيز تدرك أن الشيخ الأكبر ابن العربي هو من أكثر الصالحين الذين
اتُّهِموا بالقول بالحلول والاتحاد زورا ومن سردِ كلامه هذا يتبين لنا كذب ادعاء
المتهمين له وحاشاه رضي الله عنه أن يقول بالحلول والاتحاد.
وهاهو شيخ الإسلام ابن تيمية وهو المشهور بعدائه
للسادة الصوفية وخاصة لسيدنا ابن العربي يبرئ ساحة الصوفية من الاعتقاد بالحلول
والاتحاد فقد ورد في بعض رسائله تأويله لقول الحلاج رحمه الله:
أنا
مـن أهـوى ومـن أهـوى أنا
قال:
( هذا إنما أراد به الشاعر الاتحاد المعنوي، كاتحاد أحد المحبين بالآخر الذي يحب
أحدهما ما يحب الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثلما يقول ويفعل مثلما يفعل، وهذا
تشابه وتماثل لا اتحاد العين بالعين، إذا كان قد استغرق في محبوبه حتى فني به عن
رؤية نفسه، كقول الآخر:
غـبت
بك عني فظننت أنك أني
فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ ).
وقال
أيضا رحمه الله في فتاويه: ( كل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما
اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في
مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إفراد القديم عن
الحادث وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا ).
وقال
أيضا في فتاويه: ( ليس أحد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب به أو بغيره من
المخلوقات، ولا اتحاده به، وإن سُمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير
منه مكذوب اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحية الذين أضلهم الشيطان وألحقهم
بالطائفة النصرانية ).
وقد
أورد شيخ شيخنا سيدي عبد القادر عيسى رحمه الله في كتابه حقائق عن التصوف قول
الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله في كتابه الحاوي للفتاوي حيث يقول: ( واعلم
أنه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد، إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد، فإن
الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد، والتوحيد هو معرفة الواحد والأحد، فاشتبه
ذلك على من لا يفهم إشاراتهم فحملوه على غير محمله، فغلطوا وهلكوا بذلك....إلى أن
قال: فإذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعا وعقلا وعرفا بإجماع الأنبياء ومشايخ
الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية وإنما قاله طائفة غلاة
لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى فشابهوا في هذا القول النصارى الذين قالوا في
عيسى عليه السلام: اتحد ناسوته بلاهوته.وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم
يعتقدوا اتحادا ولا حلولا، وإن وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم، وإثبات
الحق سبحانه.
قال: وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات، وبقاء
الموافقات، وفناء حظوظ النفس من الدنيا، وبقاء الرغبة في الآخرة، وفناء الأوصاف
الذميمة، وبقاء الأوصاف الحميدة، وفناء الشك، وبقاء اليقين، وفناء الغفلة، وبقاء
الذكر.
قال: وأما قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله
تعالى: ( سبحاني، ما أعظم شأني ) فهو في معرض الحكاية عن الله، وكذلك قول من قال: (
أنا الحق ) محمول على الحكاية، ولا يُظَن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد، لأن
ذلك غير مظنون بعاقل، فضلا عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات.ولا
يظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة
وحفظ حدود الشرع الغلطُ بالحلول والاتحاد، كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى
عليه السلام.وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة، وأما العلماء
العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك ....إلى أن قال: والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك، فيطلق
على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول وهو كفر. ويطلق على مقام الفناء اصطلاحا
اصطلح عليه الصوفية ولا مشاحة في الاصطلاح إذ لا يُمْنع أحد من استعمال لفظ في
معنى صحيح، لا محذور فيه شرعا، ولو كان ذلك ممنوعا لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ
الاتحاد، وأنت تقول: بيني وبين صاحبي زيد اتحاد.
وكم استعمل المحدِّثون والفقهاءُ والنحاةُ
وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية كقول المحدثين: اتحد مخرج الحديث،
وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية، وقول النحاة: اتحد العامل لفظا أو معنى. وحيث وقع
لفظ الاتحاد من محققي الصوفية، فإنما يريدون به معني الفناء الذي هو محو النفس
وإثبات الأمر كله لله سبحانه، لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد. و قد
أشار إلى ذلك سيدي علي بن وفا فقال من قصيدة له:
يظنوا
بـي حلولا واتـحادا وقلبي من سوى
التوحيد خالي
فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول، وقال في أبيات
أخر:
وعلمك
أن كل الأمر أمري هو المعنـى
المسمى باتـحاد
فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا
أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله وترك الإرادة معه والاختيار، والجري على مواقع
أقداره من غير اعتراض وترك نسبة شيء ما إلى غيره ).
وقد
ذكر الإمام الشعراني رضي الله عنه في اليواقيت والجواهر قوله: ( ولعمري إذا كان عُباد الأوثان لم
يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله، بل قالوا: لم نعبدهم إلا ليقربونا إلى
الله زلفى، فكيف يُظن بأولياء الله أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعقله
العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله عنهم إذ ما من ولي إلا وهو يعلم أن
حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن
الله بكل شيء محيط ).
وهذا
من جهة الحلول والاتحاد أما من جهة وحدة الوجود فإن ما ترى في أشعاري مما يلمح إلى
وحدة الوجود فاعلم أنني ما أردت من معنى الوجود سوى من تحقق بالوجود الأصلي الأزلي
لا من قام به الوجود قيام العرض بالجوهر فأطلق عليه اسم الوجود تجاوزا كإطلاق
المصدر على اسم المفعول فهو إذا موجد لا وجود.
وانك
لو تتبعت أقوال السادة الصوفية في هذه المسألة لوجدت أنهم براء من القول بوحدة
الوجود، وها أنا أسوق للقارئ الكريم بعضا من أقوال هؤلاء السادة لتتبين له براءة
ساحتهم من هذه التهمة التي لفقها لهم زورا أعداء الحق، وألصقها بهم خطأً ضعاف
العقول ممن تسرع في الحكم دون النظر والتمحيص، وما ذلك إلا لخلطهم بين الصوفية
وأدعياء التصوف من المتصوفة الزائغين.
أورد
السيد محمود الغراب في كتابه شرح كلمات الصوفية والرد على ابن تيمية من أقوال
سيدنا محي الدين بن العربي رحمه الله في الفتوحات المكية كلاما مجموعا بعضه إلى
بعض إذ يقول رحمه الله: ( اعلم أيها الولي الحميم أن الوجود مقسم بين عابد ومعبود
فالعابد كل ما سوى الله تعالى وهو المعبر عنه والمسمى عبدا، والمعبود هو المسمى
الله، وما في الوجود إلا ما ذكرناه، فكل ما سوى الله عبد لله مما خُلِقَ ويُخلقْ....واعلم
أن المعلومات ثلاثة لا رابع لها وهي الوجود المطلق الذي لا يتقيد وهو وجود الله
تعالى الواجب الوجود لنفسه، والمعلوم الآخر العدم المطلق الذي هو عدم لنفسه وهو
الذي لا يتقيد أصلا وهو المحال، وهو في مقابلة الوجود المطلق فكانا على السواء حتى
لو اتصفا لحكم الوزن عليهما، وما من نقيضين متقابلين إلا وبينهما فاصل يتميز به كل
واحد من الآخر وهو المانع أن يتصف الواحد بصفة الآخر، وهذا الفاصل الذي بين الوجود
المطلق والعدم لو حكم الميزان عليه لكان على السواء في المقدار من غير زيادة ولا
نقصان وهذا هو البرزخ الأعلى وهو برزخ البرازخ له وجه إلى الوجود ووجه إلى العدم
فهو يقابل كل واحد من المعلومين بذاته وهو المعلوم الثالث....إن الوجود ليس عين
الموجود إلا في حق الحق سبحانه حتى لا يكون معلولا لوجوده فإنه لو كان معلولا
لوجوده لكان حالا له تعالى عن ذلك علوا كبيرا....ولما استحق الحق الوجود لذاته
استحال عليه العدم، كذلك إذا استحق الممكن العدم لذاته استحال وجوده فلهذا جعلناه
مظهرا، فإن الممكن ما استحق العدم لذاته كما يقول بعض الناس، وإنما الذي استحقه
الممكن تقدم اتصافه بالعدم على اتصافه بالوجود لذاته لا العدم ولهذا قبل الوجود
بالترجيح.... وقد علمنا أن العالم ما هو عين الحق وإنما هو ما ظهر في الوجود الحق
إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعا كما تحدث صورة المرئي في المرآة ينظر الناظر
فيها فهو بذلك النظر كأنه أبدعها مع كونه لا عمل له في أسبابها ولا يدري ما يحدث
فيها ولكن بمجرد النظر في المرآة ظهرت صور....وما ثم واجب الوجود لذاته إلا الله
وما سواه فموجود به لا لذاته.... ).انتهى من بحث وحدة الوجود مختصرا وقال في الرد
على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر رحمه الله في بحث رد ما قاله ابن تيمية من أن
الشيخ الأكبر يجعل وجود المحدث عين وجود القديم: ( لا يصح أن يجتمع الخلق والحق في
وجه أبدا من حيث الذات....إثبات وجه جامع بين الواجب والممكن محال فإن وجوه الممكن
تابعة له وهو في نفسه يجوز عليه العدم فتوابعه أحرى وأحق بهذا الحكم ....فكما لا
يكون الرب عبدا لا يكون العبد ربا لأنه لنفسه هو عبد كما أن الرب لذاته هو رب فلا
يتصف العبد بشيء من صفات الحق بالمعنى الذي اتصف بها الحق ولا الحق يتصف بما هو
حقيقة للعبد ....إن كل ما سوى الحق عرض زائل وغرض ماثل، وإنه وإن اتصف بالوجود وهو
بهذه المثابة في نفسه في حكم المعدوم فلابد من حافظ يحفظ عليه الوجود وليس إلا
الله تعالى ولو كان العالم أعني وجوده لذات الحق لا للنسب لكان العالم مساوقا للحق
في الوجود وليس كذلك، فالنسب حكم لله أزلا وهي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق
فيصح حدوث العالم، وليس ذلك إلا لنسبة المشيئة وسبق العلم بوجوده فكان وجود العالم
مرجحا على عدمه والوجود المرجح لا يساوق الوجود الذاتي الذي لا يتصف
بالترجيح....الوجود منقسم بينك وبينه لأنه مقسوم بين رب وعبد فالقديم الرب والحادث
العبد والوجود أمر جامع لنا....وكيف للممكن أن يصل إلى معرفة الواجب بالذات وما من
وجه للممكن إلا ويجوز عليه العدم والدثور فلو جمع بين الحق الواجب لذاته وبين
العالم وجه لجاز على الحق ما جاز على العالم من ذلك الوجه من الدثور وهذا محال
فإثبات وجه جامع بين الحق والعالم محال ).
وقد
أورد شيخ شيخي سيدي عبد القادر عيسى في كتابه حقائق عن التصوف قول العلامة مصطفى
كمال الشرنوبي في رسالة وحدة الوجود حيث يقول: ( الوجود واحد لأنه صفة ذاتية للحق
سبحانه وتعالى، وهو واجب فلا يصح تعدده، والموجود هو الممكن وهو العالم فصح تعدده
باعتبار حقائقه. وقيامه إنما هو بذلك الوجود الواجب لذاته، فإذا زال بقي الوجود
كما هو، فالموجود غير الوجود فلا يصح أن يقال الوجود اثنان: وجود قديم ووجود حادث،
إلا أن يراد بالوجود الثاني الموجود كإطلاق المصدر على المفعول، فعلى هذا لا يترتب
شيء من المحاذير التي ذكرها أهل النظر على وحدة الوجود القائل بها أهل
التحقيق....إلى أن قال الحس لا يرى إلا الهياكل أي: الموجود، والروح لا تشهد إلا
الوجود، وإذا شهدت الموجود فلا تشهده إلا ثانيا، على حد من قال: ما رأيت شيئا إلا
ورأيت الله قبله. وأراد بهذه الرؤية الشهود لا رؤية البصر، لأن الرؤية من خصائص
البصر، والشهود من خصائص البصيرة لذلك ورد: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يرد أرى،
بل ولا يصح أن يقال: أرى ).
ومن
المعاني التي فهمها الناس خطأً معنى الفناء، فالذي نقصده من الفناء هو ما أراده
الله بقوله: {كل
من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}[الرحمن26-27]، فيجب
أن تعلم أن كل ما سوى الله فان، ولا يبقى إلا وجه الله سبحانه،فهذا الوجود أصله
العدم وقيامه إنما هو بقدرة الله وليس وجوده من ذاته ومن كان لا وجود لذاته من
ذاته فوجوده لولاه عين محال، والفناء ينصرف أيضا إلى الفناء في الذات والصفات
والأفعال ولذا يقول سيدي ابن عجيبة: إذا أطلق الفناء إنما ينصرف للفناء في الذات
وحقيقته محو الرسوم والأشكال بشهود الكبير المتعال أو استهلاك الحس في ظهور المعنى
وقال أبوا المواهب-الشاذلي في قوانين حكم الإشراق- محو واضمحلال وذهاب عنك وزوال.
وقال أبو سعيد بن الأعرابي هو أن تبدو العظمة والإجلال على العبد فتنسيه الدنيا
والآخرة والأحوال والدرجات والمقامات وتفنيه عن كل شيء عن عقله وعن نفسه وفناءه عن
الأشياء وعن فناءه عن الفناء لأنه يغرق في التعظيم أي تتجلى له عظمة الذات فتفنيه
عن رؤية الأشياء ومن جملتها نفسه فيصير عين العين، ويغرق في بحر الأحدية، وقد يطلق
الفناء على الفناء في الأفعال فلا يرى فاعلا إلا الله، وعلى الفناء في الصفات فلا
قدير ولا سميع ولا بصير إلا الله، يعني أنه يرى الخلق موتى لا قدرة لهم ولا سمع
ولا بصر إلا بالله، وبعد هذا يقع الفناء في الذات وفي ذلك يقول الشاعر:
فيفنى
ثم يفنى ثم يفنى فكان فناؤه عين
البقاء
وختاما
فلا يحضرني إلا مقالة الفاروق رضي الله عنه: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي، فأرجو من
كل أخ وجد خطأ ينبغي إصلاحه، أو نقصا ينبغي إتمامه، أن يتقدم إلي بالنصيحة، وأن
يلتمس لي العذر إذ ليس هناك من عمل كامل، وإني لأكنُّ له فائق الاحترام والتقدير.
وأسأل
الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به
المسلمين في أصقاع الأرض، إنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.
عبد
الجليل مدراتي
حلب
29شوال1424للهجرة
عودة للصفحة الرئيسية عودة لصفحة الديوان الصعود لأعلى الصفحة